
في قصة آدم عليه السلام قال تعالى (وعصى آدمُ ربّه فغوى). والعلماء يقولون: هذا من باب ترك الأَولى، ولكنّ الإمام عليًّا عليه السلام في نهج البلاغة يصف آدم عليه السّلام: «ثمّ أسكن آدمَ دارًا، أرغد فيها عيشَه، وآمن فيها محلّته، وحذّره إبليسَ وعداوتَه، فاغترّه عدوُّه نفاسةً عليه بدار المقام، ومرافقة الأبرار، فباع اليقين بشكِّه، والعزيمة بوهنِه، واستبدل بالجذل وجلًا، وبالاغترار ندمًا» أ لا يدل قول الإمام عليٍّ عليه السلام (باع اليقين بشكه) على أنها معصية، وليس من باب ترك الأَولى".
الجواب
الأخ أبو عباس المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أولًا: إنّ النهي عن الأكل من الشجرة نهيٌ إرشاديٌّ لا مولويّ، كالطبيب الذي يصف الدواء للمريض، فإنِ امتثل المريضُ أمرَ الطبيب ترتّب عليه البُرء والشفاء، وإنْ خالف لم يترتّب على مخالفته سوى تلك المضاعفات المترتبة على العمل نفسه.
ثانيًا: العمدة في الدليل على عصمة الأنبياء المطلقة هي حكم العقل القاضي بوجوبها ولزومها، حيث إنّ الغرض من إرسال الأنبياء إنّما هو هداية الناس وإيصالهم إلى الله تعالى لبلوغ مرتبة الكمال المطلوب؛ ولأجل ذلك يحكم العقل بانسداد باب احتمال طروء الخطأ والغفلة والذهول على الأنبياء عليهم السلام في كل أقوالهم وأفعالهم وفي جميع حالاتهم، وعليه، فيلزم حمْل الظاهر في المقام لصالح الدليل العقلي الدالِّ على عصمة الأنبياء عليهم السلام مطلقًا.
ثالثًا: قول أمير المؤمنين عليه السلام: (فباع اليقين بشكه)، هذه العبارة "بيع اليقين بالشك" من الأمثال القديمة عند العرب، يُضرب لمن عمل عملًا لا يفيده، وترَك ما ينبغي له أن يفعله، تمثّل به أمير المؤمنين عليه السّلام ههنا، ولم يُردْ أنّ آدم شكّ في أمر الله، ويمكن إجراء الكلام على ظاهره بأنْ يراد باليقين اليقين بعداوة إبليس، وبالشّك الشّك فيها، والمراد ببيعه به تبديله به. [يُنظر: منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، ج2، ص9].
رابعًا: وردتْ عشرات الأحاديث عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، جميعُها تفسّر معصية آدم عليه السلام بترك الأَولى، فمِن غير الصحيح في مجال الاستدلال والاحتجاج ترْك هذا الكم الكبير من الروايات التي تُنزِّه آدم عليه السلام، وتبرِّئ ساحته من ارتكاب معصيةٍ توجب دخول النار، والتمسك بظاهر قول أمير المؤمنين عليه السلام، ولو أخذنا بهذا النهج من الاستدلال – أي الوقوف على الظاهر- لكُنّا في مصافِّ الفرقة الوهابية، فمِن نهجهم المتطرِّف الذي عُرفوا به الوقوف على الظواهر النقلية والأخذ بها وإنْ خالفت دليل العقل، وعليه: فلا ينبغي الوقوف والجمود على الظواهر مع مخالفتها الدليل العقلي، بل لا بدّ من حمْل الظاهر لصالح الدليل العقلي.
ودمتم سالمين
