مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل خالف عليٌّ (ع) الكتاب والسُّنة بتصدُّقه أثناء الصلاة؟

السائل سامي المرشدي النشر القراءة 7 دقيقة المشاهدات 640 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

السلام عليكم.. إذا سلّمنا أنّ قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} نزل في حقِّ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه إلا أنه يواجه الشيعةَ إشكالٌ في تصدّق عليٍّ بالخاتم، وهو راكع، والإشكال هو: كيف جاز لعليّ - وهو مستقبل القبلة - التحرُّك أثناء الصلاة مع تأكيد القرآن على لزوم الخشوع في الصلاة في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: الآية 2]، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ في الصلاة لشغلًا"، وما فعله عليٌّ رضي الله عنه من التصدق أثناء الصلاة لا فضيلة له فيه؛ لأنه فعل شيئًا مخالفًا للكتاب والسُّنة.

الجواب

الأخ سامي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

من الثابت المسلَّم به بين الفريقين نزول آية الولاية ﵟإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَﵞ في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولا نقاش في ذلك، هذا من جانب.

ومن جانبٍ آخر، أنّ إخراج الزكاة أو التصدّق ليس من الأمور الدنيوية حتى يكون شاغلًا عن الصلاة، بل هو من الأمور العبادية التي يكون الداعي فيها هو قصد التقرُّب إلى الله تعالى شأنه، مثل الصلاة التي يُشترط فيها قصد القربة، فاتحاد المقصود في كلا الأمرين يرفع دعوى التشاغل هذه، بل يمكن عدّ ذلك من أفضل الحالات، أي حين يجمع المكلف بين عبادتين في آنٍ واحد، ومن هنا استحق هذا الفعل المدح من قِبل المولى سبحانه، وجعل ولاية صاحبه في عرض ولاية الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا أدري - بعد نصّ القرآن بمدح هذه الحالة وتقريرها - كيف يستسيغ البعض طرح مثل هذا الإشكال ؟! ولا أقول إلّا أنّ شرّ البلية ما يضحك حقًّا.

وفي هذه العجالة نستعرض بعض أقوال علماء أهل السُّنة في بيان حكم الصلاة مع الفعل القليل أو الكثير، وهي كالآتي:

1ـ قال ابن قدامة المقدسي في (الكافي في فقه ابن حنبل): ((المشي والحك والتروّح، فإنْ كثر متواليًا أبطل الصلاة إجماعًا، وإنْ قلّ لم يُبطلها لما روى أبو قتادة أنّ النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم، صلى، وهو حامل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، إذا قام حمَلها، وإذا سجد وضَعها. متفق عليه، وروي عنه أنه فتح الباب لعائشة، وهو في الصلاة، ولا فرق بين العمد والسهو فيه؛ لأنه من غير جنس الصلاة)). [الكافي في فقه ابن حنبل، ج1، ص273].

2ـ قال العثيمين في (الشرح الممتع على زاد المستقنع): ((قَدَّرَ بعض العلماء الحركة الكثيرة بثلاث حركات، ولكنّ هذا التقدير ليس بصحيح؛ لأنّ الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم فَتَحَ البابَ لعائشة، وكان البابُ في القِبْلة، فتقدَّم ورَجَعَ. وفي صلاة الكسوف تقدَّم ورَجَعَ وتأخَّر، وحين صُنع له المِنبرُ؛ صار يصلِّي عليه، فيصعد عند القيام والرُّكوع، وينزل للأرض عند السجود، وعن أبي قتادة، أنّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم كان يُصلِّي، وهو حامل أُمَامَة بنتَ زينبَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، فإذا قام حمَلها، وإذا سَجَدَ وضَعها، وكلُّ هذه أفعالٌ أكثر من ثلاث حركات)). [الشرح الممتع على زاد المستقنع، ج3، ص194].

3ـ قال ابن عبد الوهاب: ((لا بأس بالإشارة بالعين واليد، لحديث جابر وغيره. ولا بأس بقتل الحية والعقرب؛ لأنه صلى الله عليه [وآله] وسلم أمر بقتلهما في الصلاة... ولا بأس بالعمل اليسير للحاجة، لحديث فتْح الباب لعائشة، وإذا بدره البصاق بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد، فإنْ أحب فعَل ذلك، وإنْ أحب بصَق عن يساره أو تحت قدمه)). [مختصر الإنصاف والشرح الكبير، ج1، ص136، الكتاب مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني].

ونورد هنا جملة من الأحاديث الصحيحة التي استدل بها علماء أهل السنّة على جواز ثلاث حركات بل أكثر في الصلاة:

1ـ حديث صلاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحمْله أمامة بنت أبي العاص:

روى البخاري في صحيحه، قال: ((حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا الليث، حدّثنا سعيد المقبري، حدّثنا عمرو بن سليم، حدّثنا أبو قتادة، قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصلّى، فإذا ركع وضَع، وإذا رفَع رفَعهَا)). [صحيح البخاري، ج7، ص74].

2ـ حديث فتح الباب لعائشة:

روى أحمد بن حنبل في مسنده: ((حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، قال: حدّثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي، حدّثنا برْد عن الزهري عن عروة عن عائشة، قالت: استفتحت الباب ورسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قائم يصلي، فمشى في القبلة إما عن يمينه وإما عن يساره حتى فتح لي ثمّ رجع إلى مصلاه))، قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن. [مسند أحمد بن حنبل، ج6، ص234، ح26014].

3ـ حديث قتل الأسودين:

روى الحاكم النيسابوري في مستدركه: ((أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق وعلي بن حمشاد، قالا: ثنا بشر بن موسى، ثنا الحميدي، ثنا سفيان عن معمر، وأخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، ثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، ثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحيّة والعقرب)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح، ولم يخرّجاه، وضمضم بن جوس من ثقات أهل اليمامة، سمِع من جماعة من الصحابة، وروى عنه يحيى بن أبي كثير، وقد وثّقه أحمد بن حنبل) ووافقه الذهبي في التلخيص على صحة الحديث. [المستدرك على الصحيحين، ج1، ص386, ح939، ومسند أحمد بن حنبل، ج2، ص233، ح7178، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح، رجاله ثقاتٌ، رجال الشيخين غير ضمضم فمن رجال أصحاب السنن].

4ـ حديث دفع المارّ بين يدي المصلي:

جاء في مسند أحمد بن حنبل: ((حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل بن أبي فديك، ثنا الضحاك بن عثمان عن صدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال: (إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمرّ بين يديه، فإنْ أبى فليقاتله؛ فإن معه القرين)، وعلّق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: صحيح، وهذا إسناد حسنٌ، رجاله رجال الصحيح. [مسند أحمد بن حنبل، ج2، ص86، ح5585].

وروى ابن ماجة في سُننه: ((حدثنا هارون بن عبد الله الحمال والحسن بن داود المنكدري، قالا حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن صدقة بن يسار عن عبد الله بن عمر: (أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، قال: إذا كان أحدكم يصلي فلا يدع أحدًا يمر بين يديه. فإن أبى فليقاتله؛ فإنّ معه القرين)، قال الألباني: صحيح)). [سنن ابن ماجة، ج1، ص307، ح955، وانظر صحيح البخاري، ج4، ص92، وصحيح مسلم، ج2، ص57].

5ـ حديث الصلاة على المنبر:

قال الألباني في (تلخيص صفة صلاة النبي): ((وتجوز صلاة الإمام على مكان مرتفع لتعليم الناس، يقوم عليه، فيكبِّر، ويقرأ، ويركع، وهو عليه، ثم ينزل القهقرى حتى يتمّكن من السجود على الأرض في أصل المنبر ثم يعود إليه. فيصنع في الركعة الأخرى كما صنع في الأولى)). [تلخيص صفة الصلاة، ص4].

ولعلّ المستند لهذا الحكم من الألباني هو لما رواه في (مختصر إرواء الغليل) من صلاته صلى الله عليه [وآله] وسلم على المنبر ونزوله القهقري حيث سجد في أصل المنبر ثمّ عاد، وصرّح بأنّ هذا الحديث متفق عليه. [مختصر إرواء الغليل، ص109، حديث 545، قال: صحيح].

6ـ حديث التقدّم والتأخر في صلاة الكسوف:

جاء في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عباس، أنه قال: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك ثم رأيناك تكعكعت، قال: إنّي رأيت الجنة، فتناولت منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا)). [صحيح البخاري، ج1، ص183، تكعكعت: أي تأخرت إلى الخلف].

وهذا الحديث فيه إشارة إلى التأخر ثمّ الرجوع، فلما تأخر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، تأخر الناس، ولما تقدّم تقدّم الناس، وكان تأخره وتقدّمه من أجل أنه عرضت عليه النار فتأخر، ولما ذهب عرْضها تقدّم، فتأخر الناس لتأخره، وتقدّموا لتقدّمه.

وقال الألباني في (إرواء الغليل): ((حديث أنه صلى الله عليه [وآله] وسلم تقدّم وتأخر في صلاة الكسوف صحيح أخرجه مسلم وأبو عوانة في صحيحيهما من حديث جابر)). [إرواء الغليل، ج2، ص109].

فتلخص ممّا تقدّم: أنّ ما فعله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، من التصدّق بخاتمه، يصدق عليه أنّه فعلٌ قليل في قِبال ما نقلته لنا الأَحاديث المتقدّمة آنفًا من فعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمستدلّ بها على عدم بطلان الصلاة بالفعل الكثير، بل يمكن القول: إنَّ ما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام)، عند التصدّق بالخاتم حال الركوع ليس إلّا إِشارة، والإشارة باليد أثناء الصلاة لا تبطلها بالاتفاق.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة