مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل في كلام الشيخ كاشف الغطاء مساس بعصمة الزهراء؟

السائل أأأ النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 74 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما حكم الشيعة على آل كاشف الغطاء الذي طعن في فاطمة وقال أنها خرجت عن ‏حدود الأدب ‏مع عليّ، فهذا نسف لعصمة فاطمة؟!.. نريد الجواب.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

لا بدّ قبل الحكم على كلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ره) من نقل عبارته كاملة في سياقها، ‏لأنّ اقتطاع الجملة من موضعها يورث فهمًا غير صحيح.. فقد قال في كتابه جنة المأوى: ‏((كيف ‏والزهراء سلام الله عليها شابّة بنت ثمانية عشر سنة، لم تبلغ مبالغ النساء واذا كان ‏في ‏ضرب ‏المرأة عار وشناعة فضرب الفتاة أشنع وأفظع، ويزيدك يقينا بما أقول أنها ـ ‏ولها ‏المجد ‏والشرف ـ ما ذكرت ولا أشارت الى ذلك في شيء من خطبها ومقالاتها المتضمنة ‏لتظلمها ‏من ‏القوم وسوء صنيعهم معها مثل خطبتها الباهرة الطويلة التي ألقتها في المسجد ‏على ‏المهاجرين ‏والانصار، وكلماتها مع أمير المؤمنين عليه ‌السلام بعد رجوعها من ‏المسجد؛ ‏وكانت ثائرة ‏متأثرة أشد التأثر حتى خرجت عن حدود الآداب التي لم تخرج من ‏حظيرتها مدة ‏عمرها.....)) [جنّة المأوى، للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، ج1، ص65].‏ ‏وهذه العبارة (حتى خرجت عن حدود الآداب‏) هي مدار الإشكال.‏

وأوّل ما ينبغي الالتفات إليه أنّ الشيخ كاشف الغطاء (ره) لم يقل إنّ الزهراء (عليها السلام) ‏أساءت الأدب، ولا إنّها تجاوزت حدًّا شرعيًا، ولا إنّها خرجت عن مقامها، ولا تعرّض أصلًا ‏لمسألة العصمة لا تصريحًا ولا تلويحًا، ومن نسب إليه ذلك فقد أخطأ في الفهم، أو تعمّد تحميل ‏الكلام ما لا يحتمله.‏

ثم إنّ لفظ (الأدب) في لسان العرب، وفي الاستعمال الشائع عند العلماء، لا يختصّ بمعنى ‏الاحترام أو حُسن المعاشرة الخُلُقيّة التي يكون تركها قبيحًا أو موجبًا للذم، بل كثيرًا ما يُراد به ‏الطريقة والأسلوب الذي اعتاد عليه الإنسان في كلامه وتعاطيه، فيُقال مثلاً: هذا من أدب فلان، ‏أي من طريقته التي جرى عليها، فإذا غيّر أسلوبه قيل: خرج عن أدبه، لا بمعنى أنّه أساء، بل ‏بمعنى أنّه لم يتكلّم على أسلوبه المعتاد وطريقته المعهودة.‏

وعلى هذا الفهم، يكون المراد من (الخروج عن حدود الأدب) في كلام الشيخ (ره) هو الخروج ‏عن الأسلوب الذي عُرفت به الزهراء (عليها السلام) من شدّة التحفّظ والدقّة في الخطاب، لا ‏الخروج عن الأدب الواجب ولا عن الخلق اللازم، فضلًا عن العصمة.‏

وهذا المعنى ليس غريبًا في النصوص الشرعية، بل هو ثابت حتى في القرآن الكريم نفسه، فقد ‏ورد خطاب شديد بين أنبياء معصومين، من غير أن يفهم أحد من المسلمين أنّه إساءة أو خلل ‏في المقام، أو خروج عن حدود الأدب، كما في خطاب نبي الله موسى لأخيه هارون (عليهما ‏السلام) حين قال له: {يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه:‏‏92-‏‏93]، مع أنّ هارون (عليه السلام) لم يكن عاصيًا في الواقع، وإنما صدر هذا الخطاب في حال ‏شدّة وغضب لما شاهده موسى (عليه السلام) من حال قومه، فخرج عن الأسلوب المعتاد لا عن ‏حدّ الأدب اللازم.‏

ومما يؤكد هذا الفهم في كلام الشيخ (ره) نفسه قوله: (التي لم تخرج من حظيرتها مدّة عمرها)، ‏فإنّ هذا القيد ظاهر في أنّه يتحدث عن آدابها الخاصّة وطريقتها المعروفة، لا عن أصل الأدب ‏ولا عن مقامها، ولو كان مراده الإساءة أو التجاوز، لما صحّ هذا التعبير أصلًا.‏

والخلاصة أنّ كلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ره) لا يتضمّن طعنًا في الزهراء (عليها ‏السلام)، ولا مساسًا بعصمتها، ولا انتقاصًا من مقامها أو مقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ‏وإنما هو توصيف لحالة وجدانية شديدة فرضها عِظم المصاب، خرجت فيها عن أسلوبها المعتاد ‏في الخطاب، مع بقاء مقامها محفوظًا على ما هو عليه. ومن جعل هذا الكلام نسفًا للعصمة فقد ‏أخطأ في الفهم، ولم يراعِ دلالة اللفظ ولا سياق الكلام.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة