
ما حكم الشيعة على آل كاشف الغطاء الذي طعن في فاطمة وقال أنها خرجت عن حدود الأدب مع عليّ، فهذا نسف لعصمة فاطمة؟!.. نريد الجواب.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
لا بدّ قبل الحكم على كلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ره) من نقل عبارته كاملة في سياقها، لأنّ اقتطاع الجملة من موضعها يورث فهمًا غير صحيح.. فقد قال في كتابه جنة المأوى: ((كيف والزهراء سلام الله عليها شابّة بنت ثمانية عشر سنة، لم تبلغ مبالغ النساء واذا كان في ضرب المرأة عار وشناعة فضرب الفتاة أشنع وأفظع، ويزيدك يقينا بما أقول أنها ـ ولها المجد والشرف ـ ما ذكرت ولا أشارت الى ذلك في شيء من خطبها ومقالاتها المتضمنة لتظلمها من القوم وسوء صنيعهم معها مثل خطبتها الباهرة الطويلة التي ألقتها في المسجد على المهاجرين والانصار، وكلماتها مع أمير المؤمنين عليه السلام بعد رجوعها من المسجد؛ وكانت ثائرة متأثرة أشد التأثر حتى خرجت عن حدود الآداب التي لم تخرج من حظيرتها مدة عمرها.....)) [جنّة المأوى، للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، ج1، ص65]. وهذه العبارة (حتى خرجت عن حدود الآداب) هي مدار الإشكال.
وأوّل ما ينبغي الالتفات إليه أنّ الشيخ كاشف الغطاء (ره) لم يقل إنّ الزهراء (عليها السلام) أساءت الأدب، ولا إنّها تجاوزت حدًّا شرعيًا، ولا إنّها خرجت عن مقامها، ولا تعرّض أصلًا لمسألة العصمة لا تصريحًا ولا تلويحًا، ومن نسب إليه ذلك فقد أخطأ في الفهم، أو تعمّد تحميل الكلام ما لا يحتمله.
ثم إنّ لفظ (الأدب) في لسان العرب، وفي الاستعمال الشائع عند العلماء، لا يختصّ بمعنى الاحترام أو حُسن المعاشرة الخُلُقيّة التي يكون تركها قبيحًا أو موجبًا للذم، بل كثيرًا ما يُراد به الطريقة والأسلوب الذي اعتاد عليه الإنسان في كلامه وتعاطيه، فيُقال مثلاً: هذا من أدب فلان، أي من طريقته التي جرى عليها، فإذا غيّر أسلوبه قيل: خرج عن أدبه، لا بمعنى أنّه أساء، بل بمعنى أنّه لم يتكلّم على أسلوبه المعتاد وطريقته المعهودة.
وعلى هذا الفهم، يكون المراد من (الخروج عن حدود الأدب) في كلام الشيخ (ره) هو الخروج عن الأسلوب الذي عُرفت به الزهراء (عليها السلام) من شدّة التحفّظ والدقّة في الخطاب، لا الخروج عن الأدب الواجب ولا عن الخلق اللازم، فضلًا عن العصمة.
وهذا المعنى ليس غريبًا في النصوص الشرعية، بل هو ثابت حتى في القرآن الكريم نفسه، فقد ورد خطاب شديد بين أنبياء معصومين، من غير أن يفهم أحد من المسلمين أنّه إساءة أو خلل في المقام، أو خروج عن حدود الأدب، كما في خطاب نبي الله موسى لأخيه هارون (عليهما السلام) حين قال له: {يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه:92-93]، مع أنّ هارون (عليه السلام) لم يكن عاصيًا في الواقع، وإنما صدر هذا الخطاب في حال شدّة وغضب لما شاهده موسى (عليه السلام) من حال قومه، فخرج عن الأسلوب المعتاد لا عن حدّ الأدب اللازم.
ومما يؤكد هذا الفهم في كلام الشيخ (ره) نفسه قوله: (التي لم تخرج من حظيرتها مدّة عمرها)، فإنّ هذا القيد ظاهر في أنّه يتحدث عن آدابها الخاصّة وطريقتها المعروفة، لا عن أصل الأدب ولا عن مقامها، ولو كان مراده الإساءة أو التجاوز، لما صحّ هذا التعبير أصلًا.
والخلاصة أنّ كلام الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (ره) لا يتضمّن طعنًا في الزهراء (عليها السلام)، ولا مساسًا بعصمتها، ولا انتقاصًا من مقامها أو مقام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإنما هو توصيف لحالة وجدانية شديدة فرضها عِظم المصاب، خرجت فيها عن أسلوبها المعتاد في الخطاب، مع بقاء مقامها محفوظًا على ما هو عليه. ومن جعل هذا الكلام نسفًا للعصمة فقد أخطأ في الفهم، ولم يراعِ دلالة اللفظ ولا سياق الكلام.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
