مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل فُرض التقليدُ بعد غَيبة الإمام؟

السائل أمجد الرضوي النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 329 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

هل فُرض التقليدُ بعد غَيبة الإمام؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ ما ذُكر في الإشكال مِن دعوى أنّ التقليد لم يكن معروفًا في صدر الإسلام، وأنّ الناس كانوا يرجعون إلى النصوص مباشرةً دون وساطة، دعوى باطلةٌ في نفسها، ساقطةٌ مبنىً، ومردودةٌ بأدلة النقل والعقل والسيرة القطعيّة.

وبيان ذلك: أنَّ هذا الإشكال مؤسَّسٌ على توهُّمَين فاسدين:

التوهم الأول: زَعْمُ أنَّ الناس في العصور الأولى كانوا يستغنون عن الرجوع إلى الفقهاء، ويباشرون استنباط الأحكام من النصوص بأنفسِهم، هو توهُّمٌ لا ينهض عليه دليلٌ، بل هو مخالفٌ لما عليه سيرة المتشرِّعة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) وفي زمن الأئمّة (عليهم السلام)، حيث كان الناسُ يرجعون في أمور دينِهم إلى فقهاء الصحابة وأصحاب الأئمّة الموثوقين.

وقد ثبت في الروايات الصحيحة المعتبَرة أنّ الأئمة (عليهم السلام) لم يتركوا شيعتهم سدًى في مقام البيان والرجوع، بل نصّبوا جماعةً من أصحابهم الثقات، وأناطوا بهم وظيفةَ الإفتاء، وأمَروا الشيعة عامّة بالرجوع إليهم، لا من باب الوكالة الخاصّة المحدودة، بل هو إذنٌ عامٌّ صادرٌ من المعصوم (عليه السلام) بالرجوع إلى منِ استجمع شرائط الفتوى، حال حضورهم (عليهم السلام) فضلًا عن غَيبتهم.

وقد صرّح بهذا المعنى غيرُ واحدٍ من الأعلام، فقال صاحب الحدائق الناضرة (قدس سره): ((الفقهاء نوّابُ الإمام على العموم، لقول الصادق (عليه السلام): انظروا إلى رجلٍ منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرَف أحكامنا، فارضَوا به حكمًا، فإنّي قد جعلتُه عليكم حاكمًا...)) [الحدائق الناضرة، ج٩، ص٤٤٠].

وهو ـ كما ترى ـ نصٌّ صريحٌ في حجِّيّة قول الفقيه الجامع للشرائط، وفي لزوم الرجوع إليه في مقام التنازع واستنباط الحكم، لا إلى النصوص نفسها ، ولا إلى غير أهل الاستنباط، فإنّ إيكال أمر الحكم إلى مَن استجمع شرائط الرواية والنظر، ممن له ملَكة إحراز مُرادات المعصوم (عليه السلام) على وجهٍ يورث الوثوقَ والاطمئنان، ظاهرٌ في انحصار الطريق في هذا الصنف من الناس، دون آحاد المكلَّفين، ودون من قصُر باعُه عن رتبة الفقاهة والاجتهاد.

وقد أمضى هذا المنهجَ الأئمةُ (عليهم السلام) بنحوٍ بيّنٍ، بل ورد في بعض الروايات ما هو أصرح من ذلك في أمرِ بعض خواصِّ أصحابهم بالتصدّي للإفتاء، كقول الصادق (عليه السلام) لأبان بن تغلب: ((اجلسْ في مسجد المدينة، وأَفْتِ الناس، فإنّي أحبّ أنْ يُرى في شيعتي مثلك)). [الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد، للسيّد الخوئي، ص ٥٩].

ولا ريب أنّ هذا الإذن منه (عليه السلام) في مقام الإفتاء، مع اقترانه بالتعبير عن المحبوبيّة الشرعيّة في بروز أمثال أبان بن تغلب في مقام بيان الأحكام، كاشفٌ عن إنشاءٍ تشريعيٍّ، لا مجرّد رضا شخصيّ، ويُفصِح عن أنّ تصدّي أمثال هؤلاء للإفتاء، إنّما هو وظيفةٌ مشروعة، لا اجتهادٌ من تلقاء أنفسهم، بل بتقنينٍ صادرٍ عن المعصوم، ممضًى عليه، ومطلوب في حدّ ذاته.

وحين يتقرّر أنّ هذا النحو من الرجوع كان جاريًا في زمن الحضور، مع إمكان الوصول إلى المعصوم، فكيف الحالُ في عصر الغَيبة الكبرى، حيث لا سبيل إلى التلقّي إلا بواسطةِ مَن استجمع شرائط الاجتهاد وأدواته، وكان مأمونًا على النقل والدين، فهل يُعقل أنْ يكون المكلَّف حينئذٍ أقرب إلى النصّ من هذا الفقيه؟!

فهذه الروايات، بمجموع دلالاتها، ترفع كلّ ريبٍ في مشروعيّة التقليد، بل في لزومه، وتُبطِل أصلَ دعوى الاكتفاء بفهم الشخص لنفسه من النصوص، وتُثبِت أنّ سيرة الرجوع إلى العالم لم تكنْ بدعةً حادثة، بل هي سُنّة ماضيةٌ، وسيرة ممتدّةٌ، دلّتْ عليها النصوص، وعمل بها المتشرِّعة في زمن الحضور، فكيف بعصر الغَيبة؟

التوهُّم الثاني: الغفلة عن الفرق الأساس بين زمان الحضور وزمان الغَيبة، فإنّ في عصر النصّ والحضور، كانت الحاجةُ إلى التقليد محدودةً بوجود المعصوم، أو بمن يَنُصّ عليه الإمام من وكلائه، وأما في عصر الغَيبة الكبرى، فقد تعذّر الرجوع المباشر إلى المعصوم، فانحصر الطريق في الرجوع إلى مَن توفَّرت فيه شرائط الإفتاء، وهو المجتهد الجامع للشرائط.

فالقياسُ بين الزمانين قياسٌ مع الفارق المخلّ، وهو مردودٌ عقلًا ونقلًا، فإنَّ تغيُّر الظرف يستتبع تغيُّر الوظيفة، ولا ملازمة بين ما كان معمولًا به في صدر الإسلام وزمان النصّ، وبين ما يتعيّن فعلُه في حال الانقطاع، بل لا بدّ من العمل بما دلّت عليه النصوص الممضاة والسيرة العقلائيّة.

وقد تقرَّر في محلّه: أنّ الرجوع إلى أهل الخبرة من العقلاء في كلّ فنٍّ، من المرتكَزات التي لا ينفكّ عنها العقلاء، بل لم يزل دأبُ الناس في كلّ عصرٍ ومصرٍ الرجوع إلى أهل المعرفة في دينهم، كما يرجعون إلى أهل الطبّ في أبدانهم، وأهل الصناعات الأخرى في شؤون معاشهم، وهذا هو المقرَّر في الشريعة والعقل والسيرة.

ثم إنَّ فَرْض خلوّ العصور الأولى من ظاهرة التقليد ـ على سبيل التنزُّل ـ لا يوجب بطلان أصل الرجوع إلى الفقيه، فإنّ هذا الرجوع إنما هو حكمٌ عقلائيّ أمضاه الشارع، فلا تتوقّف مشروعيَّته على ممارسته في زمن النبيّ أو الأئمّة، ما دام الملاك( ) محفوظًا، والدليل قائمًا عليه( ).

فالإشكال ساقطٌ موضوعًا، لما تضمّنه من دعاوى غير محقَّقة، وساقطٌ مبنًى، لانهدام الركيزة التي بُني عليها، وهو أنّ ما لم يكن في عصر النصّ لا يكون مشروعًا بعده، وقدِ اتّضح فساده.

والحاصل: أنَّ التقليد في عصر الغَيبة ليس أمرًا حادثًا أو بدعة مبتدَعة، بل هو امتدادٌ مؤصَّلٌ لما قرّره المعصوم (عليه السلام) في زمان الحضور، حينما أحال شيعته إلى الفقهاء العارفين بأحاديثهم، وأقامَهم مقام البيان عنهم في الأحكام الشرعيّة، في زمان الحضور فضلًا عن زمان الغَيبة.

فلا وجه لما يُدَّعى من لزوم الرجوع المباشر إلى النصوص من غير وساطةٍ، بعد أنْ ثبت بالحجّة أنّ ذلك ليس وظيفة المكلَّف غير القادر على الاستنباط، بل هو مِن وظيفة مَن جمع شرائط الاجتهاد، وهو الفقيه الجامع للشرائط.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة