مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

في معنى {غُدُوًّا وَعَشِيًّا} في عذاب البرزخ

السائل طالب علم النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 24 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

السلام عليكم ـ أشكل بعضهم قائلًا: أليس تقولون أن في الدار الأخر وفي الجنة والنار لا يوجد وقت صباح ولا ليل فكيف قيل في النار {يُعرضونَ عليها غُدوًا وعَشيًا}؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍوآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ القرآن الكريم إنّما نزل بلسان العرب، فجاء خطابهجارياً على ما ألفوه من أساليبهم وألفاظهم، ليقرّب إليهم المعاني الغيبية التي لاتُنال بالحسّ ولا تُدرك بالمشاهدة. ومن هذا القبيل جاء التعبير في آية آل فرعونبقوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} [غافر:46]،وليس المقصود منه إثبات وجود صباحٍ ومساءٍ في عالم البرزخ، بل المراد بيان دوامالعرض على النار وتكرّره واستمراره من غير انقطاع.

وذلك أنّ هذا الأسلوب معروف في لسان العرب، فإنّهميستعملون ألفاظ الغدوّ والعشيّ، والصباح والمساء، في مقام الدلالة على المداومةوالملازمة، لا على خصوص الأوقات المعيّنة، فيقول أحدهم: (أزورك بكرةً وعشيًّا)، أو(أدعوه صباحًا ومساءً)، وهو لا يريد تحديد الزمان، بل يريد استمرار الفعل وتكرّره.فجاء القرآن الكريم على مألوف لسانهم، ليصوّر لهم حقيقة دوام العرض على الناربأسلوبٍ يفهمونه.

ويؤكّد هذا المعنى أنّ القرآن الكريم قد استعمل هذاالتعبير نفسه في وصف نعيم أهل الجنّة، فقال تعالى: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَابُكْرَةً وَعَشِيًّا} [مريم:62]، مع أنّ الجنّة دارٌ لا الشمس فيها والقمر، كماصرّح سبحانه بقوله: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}[الإنسان:13].

فظهر بذلك أنّ المراد من البكرة والعشيّ دوام الرزقوتجدّد النعمة، لا خصوص الغدوّ والعشيّ بالمعنى الدنيوي.

وقد صرّح العلّامة الطباطبائي بهذا المعنى في تفسيرالميزان، حيث قال: ((والآية صريحة أوّلًا في أنّ هناك عرضًا على النار ثم إدخالًافيها، والإدخال أشدّ من العرض، وثانيًا في أنّ العرض على النار قبل قيام الساعةالتي فيها الإدخال، وهو عذاب البرزخ، وهو عالمٌ متوسّط بين الموت والبعث، وثالثًاأنّ التعذيب في البرزخ ويوم تقوم الساعة بشيء واحد، وهو نار الآخرة، لكنّالبرزخيين يُعذَّبون بها من بعيد، وأهل الآخرة بدخولها. وفي قوله: {غُدُوًّاوَعَشِيًّا} إشارة إلى التوالي من غير انقطاع)) [تفسير الميزان، ج 17، ص270-272].

فبان بما تقدّم أنّ الآية الكريمة إنّما هي في مقام بياندوام العذاب البرزخي واستمراره، لا في مقام إثبات ليلٍ ونهارٍ، ولا شمسٍ وقمرٍ، فيعالم البرزخ.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدناونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة