مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

دلالةُ جعلِ المودّةِ أجراً للرسالةِ على عصمةِ العترةِ

السائل عبد الله عبد النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 18 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

من الاحتجاجات التي يعتمدها الشيعة في أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) آية «قُل ‏لا أسئَلُكُم ‏عليهِ أجرًا إلا المودةَ في القُربى » كون الآية قصيرة لكن نطرح ثلاث أسئلةٍ ‏بصددها: ‏ ‏١. ما معنى الأجر المُراد منه هُنا ولماذا لم يُسائِلنا ﷲ به مع هذه المودة؟ ‏ ‏٢. لماذا جعل ﷲ أو ذكر المودة دون المحبة ـ فما هذه المودة المُراد تحقيقُها وماذا يُترتب عليها؟ ‏ ‏٣. كيف تُفيدُنا هذه الآية في بيان أفضلية العترة؟ ‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

أمّا السؤال الأوّل: ما معنى الأجر هنا، ولماذا لم يُسائِلنا الله به مع هذه المودّة؟

فالمراد بالأجر في الآية ليس الأجر الحقيقي الذي ينتفع به النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنّ ‏القرآن صرّح في موارد كثيرة بأنّ الأنبياء لا يطلبون أجراً لأنفسهم، كما قال سبحانه: {قُلْ مَا ‏أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان:57]. فلو كان المراد هنا أجراً شخصيّاً للنبي لوقع التنافي.‏

وعليه، فالأجر المذكور في قوله تبارك وتعالى: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:33]، هو أجرٌ ‏عائدٌ إلى الأمّة نفسها، لا إلى النبي، بمعنى أنّ الله جعل مودّة القربى طريقاً لنجاة الناس ‏وهدايتهم، لا منفعةً للنبي. ولهذا لم يأتِ في الآية تهديدٌ أو مطالبة دنيويّة، بل جاءت بصيغة ‏الإرشاد إلى ما فيه صلاح الأمّة.‏

وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: ((هي والله فريضة من الله على العباد لمحمد ‏في أهل بيته)) [المحاسن، للبرقي، ج1، ص 144].‏

فالمعنى أنّ هذه المودّة حقّ واجب، لكن نفعه راجع إلى الناس؛ لأنّ الارتباط بأهل البيت (عليهم ‏السلام) هو طريق الهداية بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).‏

وأمّا السؤال الثاني: لماذا عبّر بالمودّة دون المحبّة؟ وما المراد منها؟

الفرق واضح في لسان العرب، فالمحبّة قد تكون أمراً قلبيّاً مجرّداً، أمّا المودّة فهي محبّة يظهر ‏أثرها في السلوك والأفعال، أي محبّة يترتّب عليها التزام واتباع.‏

ولهذا فإنّ التعبير بالمودّة إشارة إلى محبّةٍ عمليّة، لا مجرّد ميل قلبي. وقد رُوي عن الإمام عن ‏الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله سبحانه {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}، قال: ‏‏((هُمُ الأَئِمَّةُ))[الكافي، ج1، ص413].‏

فدلّ ذلك على أنّ المطلوب هو الارتباط والاتباع الديني الذي يوجب الأخذ عنهم والاهتداء بهم.‏

وعليه، فالمودّة المطلوبة تتحقّق بتعظيمهم، ونصرتهم، والرجوع إليهم في معالم الدين، والاقتداء ‏بهم في الهداية.‏

وأمّا السؤال الثالث: كيف تدلّ الآية على أفضليّة العترة؟

فوجه الدلالة واضح عند أدنى تأمّل، فإنّ الله سبحانه لم يفرض مودّة أحدٍ على الأمّة بعنوان أجر ‏الرسالة إلا القربى. وهذا تخصيص عظيم يدلّ على امتيازهم على غيرهم؛ إذ لو كان غيرهم في ‏رتبتهم في الهداية لما كان لتخصيصهم بالمودّة معنى.‏

وبيان ذلك: أنّ جعل مودّتهم أجراً للرسالة يكشف عن أنّ لهم موقعاً في حفظ الدين وبيان ‏الشريعة، وإلا لم يصحّ أن تُجعل مودّتهم بهذا المستوى من التأكيد القرآني.‏

وقد سُئل الإمام السجاد (عليه السلام) عن هذه الآية، فقال: ((هي قرابتنا أهل البيت من محمد ‏صلى الله عليه وآله وسلم)) [تفسير فرات الكوفي، ص392]، وعن الإمام الصادق (عليه ‏السلام) أنّه طبّق الآية المباركة على أصحاب الكساء من أهل البيت عليهم السلام.[شواهد ‏التنزيل، للحسكاني، ج2، ص213]، ونحو ذلك العشرات من الروايات المروية في مصادر ‏المسلمين سنة وشيعة.‏

فإذا ثبت أنّ الله عزّ وجل أوجب مودّتهم على جميع الأمّة، وجعلها في مقام أجر الرسالة، لزم ‏عقلاً وشرعاً أنّ لهم من الفضل والمقام ما ليس لغيرهم؛ لأنّ الشريعة لا تُلزم الأمّة بالارتباط ‏الخاص إلا بمن كان هادياً مأموناً على الدين.‏

وعليه، فالآية لا تدعو إلى مجرد محبة وجدانية عاطفية، بل هي تريد ارتباطا عمليا بأهل البيت ‏‏(عليهم السلام)، وجعل مودتهم أجر الرسالة شاهد بين على علو مقامهم وامتيازهم في الهداية، ‏وهو بعينه معنى الأفضلية.‏

وهذه الأفضلية لها لازم آخر أهم وأدق، وهو ثبوت عصمتهم (عليهم السلام)، ويمكن إثباته من نفس ‏قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، بتطبيق القياس المنطقي المعروف.‏

وتقريب البرهان كالآتي:‏

من وجبت مودته مطلقا … وجبت طاعته مطلقا

وكل من وجبت طاعته مطلقا … وجبت عصمته

فالنتيجة:‏

من وجبت مودته مطلقا … وجبت عصمته.‏

أما دليل الصغرى، فمن قوله سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران:31]، فإن ‏الآية جعلت المحبة الصادقة ملزمة بالاتباع، والاتباع هو الطاعة عينها، فيثبت أن المودة التي ‏أوجبها الله سبحانه لا تنفك عن لزوم الطاعة.‏

وأما الكبرى، فواضحة؛ لأن من أوجب الله طاعته على نحو مطلق لا بد أن يكون مأمونا من ‏الخطأ والزلل، وإلا لزم أن يأمر الله سبحانه باتباع من يجوز عليه الخطأ، وهو مما لا يليق ‏بحكمته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.‏

وهذا القياس منتج؛ لتوفر شروط الشكل الأول فيه، من إيجاب الصغرى وكلية الكبرى.‏

وعلى هذا يتبين أن عصمة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ثابتة بدلالة القرآن نفسه، على نحو ‏برهاني واضح.‏

والحمد لله في البدء والنهاية، ونسأله دوام التوفيق والهداية، إنه سميع مجيب.‏

مسائل ذات صلة