
من الاحتجاجات التي يعتمدها الشيعة في أفضلية أهل البيت (عليهم السلام) آية «قُل لا أسئَلُكُم عليهِ أجرًا إلا المودةَ في القُربى » كون الآية قصيرة لكن نطرح ثلاث أسئلةٍ بصددها: ١. ما معنى الأجر المُراد منه هُنا ولماذا لم يُسائِلنا ﷲ به مع هذه المودة؟ ٢. لماذا جعل ﷲ أو ذكر المودة دون المحبة ـ فما هذه المودة المُراد تحقيقُها وماذا يُترتب عليها؟ ٣. كيف تُفيدُنا هذه الآية في بيان أفضلية العترة؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
أمّا السؤال الأوّل: ما معنى الأجر هنا، ولماذا لم يُسائِلنا الله به مع هذه المودّة؟
فالمراد بالأجر في الآية ليس الأجر الحقيقي الذي ينتفع به النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنّ القرآن صرّح في موارد كثيرة بأنّ الأنبياء لا يطلبون أجراً لأنفسهم، كما قال سبحانه: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} [الفرقان:57]. فلو كان المراد هنا أجراً شخصيّاً للنبي لوقع التنافي.
وعليه، فالأجر المذكور في قوله تبارك وتعالى: {إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى:33]، هو أجرٌ عائدٌ إلى الأمّة نفسها، لا إلى النبي، بمعنى أنّ الله جعل مودّة القربى طريقاً لنجاة الناس وهدايتهم، لا منفعةً للنبي. ولهذا لم يأتِ في الآية تهديدٌ أو مطالبة دنيويّة، بل جاءت بصيغة الإرشاد إلى ما فيه صلاح الأمّة.
وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: ((هي والله فريضة من الله على العباد لمحمد في أهل بيته)) [المحاسن، للبرقي، ج1، ص 144].
فالمعنى أنّ هذه المودّة حقّ واجب، لكن نفعه راجع إلى الناس؛ لأنّ الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام) هو طريق الهداية بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا السؤال الثاني: لماذا عبّر بالمودّة دون المحبّة؟ وما المراد منها؟
الفرق واضح في لسان العرب، فالمحبّة قد تكون أمراً قلبيّاً مجرّداً، أمّا المودّة فهي محبّة يظهر أثرها في السلوك والأفعال، أي محبّة يترتّب عليها التزام واتباع.
ولهذا فإنّ التعبير بالمودّة إشارة إلى محبّةٍ عمليّة، لا مجرّد ميل قلبي. وقد رُوي عن الإمام عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله سبحانه {قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى}، قال: ((هُمُ الأَئِمَّةُ))[الكافي، ج1، ص413].
فدلّ ذلك على أنّ المطلوب هو الارتباط والاتباع الديني الذي يوجب الأخذ عنهم والاهتداء بهم.
وعليه، فالمودّة المطلوبة تتحقّق بتعظيمهم، ونصرتهم، والرجوع إليهم في معالم الدين، والاقتداء بهم في الهداية.
وأمّا السؤال الثالث: كيف تدلّ الآية على أفضليّة العترة؟
فوجه الدلالة واضح عند أدنى تأمّل، فإنّ الله سبحانه لم يفرض مودّة أحدٍ على الأمّة بعنوان أجر الرسالة إلا القربى. وهذا تخصيص عظيم يدلّ على امتيازهم على غيرهم؛ إذ لو كان غيرهم في رتبتهم في الهداية لما كان لتخصيصهم بالمودّة معنى.
وبيان ذلك: أنّ جعل مودّتهم أجراً للرسالة يكشف عن أنّ لهم موقعاً في حفظ الدين وبيان الشريعة، وإلا لم يصحّ أن تُجعل مودّتهم بهذا المستوى من التأكيد القرآني.
وقد سُئل الإمام السجاد (عليه السلام) عن هذه الآية، فقال: ((هي قرابتنا أهل البيت من محمد صلى الله عليه وآله وسلم)) [تفسير فرات الكوفي، ص392]، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه طبّق الآية المباركة على أصحاب الكساء من أهل البيت عليهم السلام.[شواهد التنزيل، للحسكاني، ج2، ص213]، ونحو ذلك العشرات من الروايات المروية في مصادر المسلمين سنة وشيعة.
فإذا ثبت أنّ الله عزّ وجل أوجب مودّتهم على جميع الأمّة، وجعلها في مقام أجر الرسالة، لزم عقلاً وشرعاً أنّ لهم من الفضل والمقام ما ليس لغيرهم؛ لأنّ الشريعة لا تُلزم الأمّة بالارتباط الخاص إلا بمن كان هادياً مأموناً على الدين.
وعليه، فالآية لا تدعو إلى مجرد محبة وجدانية عاطفية، بل هي تريد ارتباطا عمليا بأهل البيت (عليهم السلام)، وجعل مودتهم أجر الرسالة شاهد بين على علو مقامهم وامتيازهم في الهداية، وهو بعينه معنى الأفضلية.
وهذه الأفضلية لها لازم آخر أهم وأدق، وهو ثبوت عصمتهم (عليهم السلام)، ويمكن إثباته من نفس قوله تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}، بتطبيق القياس المنطقي المعروف.
وتقريب البرهان كالآتي:
من وجبت مودته مطلقا … وجبت طاعته مطلقا
وكل من وجبت طاعته مطلقا … وجبت عصمته
فالنتيجة:
من وجبت مودته مطلقا … وجبت عصمته.
أما دليل الصغرى، فمن قوله سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي} [آل عمران:31]، فإن الآية جعلت المحبة الصادقة ملزمة بالاتباع، والاتباع هو الطاعة عينها، فيثبت أن المودة التي أوجبها الله سبحانه لا تنفك عن لزوم الطاعة.
وأما الكبرى، فواضحة؛ لأن من أوجب الله طاعته على نحو مطلق لا بد أن يكون مأمونا من الخطأ والزلل، وإلا لزم أن يأمر الله سبحانه باتباع من يجوز عليه الخطأ، وهو مما لا يليق بحكمته، تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
وهذا القياس منتج؛ لتوفر شروط الشكل الأول فيه، من إيجاب الصغرى وكلية الكبرى.
وعلى هذا يتبين أن عصمة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ثابتة بدلالة القرآن نفسه، على نحو برهاني واضح.
والحمد لله في البدء والنهاية، ونسأله دوام التوفيق والهداية، إنه سميع مجيب.
