
من روايات الشيعة: وأن السلطان أرسل إلى دار الحسن العسكري من يفحص زوجاته وجواريه، فتبيّن له أنه لم يكن له ولدٌ أبدًا. (المقالات والفرق للقمي؛ كتاب الغيبة للطوسي). ولهذا قال شيخهم المفيد «فلم يظهر له ولدٌ في حياته، ولا عرَفه الجمهور بعد وفاته» (الإرشاد:345). ومع ذلك يصرُّ الشيعةُ اليوم على وجود هذا الولد الغائب الذي عمّر أكثر مما عمّر نوح عليه السلام، فثبت أنه لا يوجد مهديٌّ منتظرٌ عند الشيعة، ومن كتب الشيعة.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
لا يرتاب مسلمٌ في أنّ الكذِب من خصال المنافقين، وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﵟإِنَّ الله لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌﵞ [غافر:28]، وقوله تعالى: ﵟوَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِﵞ [الحج:30]، وروى مالك في موطَّئه من حديث صفوان بن سليم: أنه قيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((أ يكون المؤمن جبانًا؟ قال: نعم. فقيل له: أ يكون بخيلًا؟ فقال: نعم. فقيل له: أ يكون المؤمن كذَّابًا؟ فقال: لا)) [موطأ مالك، ج2، ص990، تـ. عبد الباقي].
وهذا الزعم الكاذب يكشف بوضوحٍ عن حجم الهلَع الذي يثيره موضوعُ الإمام المهديِّ المنتظر (عليه السلام) بين أتباع المدرسة السلفيّة وأنصار السقيفة، فعندما ضاقتْ بهمُ الخيارات، واستنفدوا جميع الأدلة التي يظنون بأنها تُثبت عدم وجود المهديّ المنتظر، اضطُرّوا إلى اللجوء إلى الكذب والتزوير، وقاموا بتشويه النصوص لنشرها بين الناس بغية إيهامهم.
فها هو الشيخ المفيد (رحمه الله) الذي اتهمه المستشكلُ بأنه ينفي ولادة الإمام المنتظر، يقول بوضوحٍ لا لبس فيه في كتاب "الإرشاد" نفسه: ((ومرِض أبو محمد عليه السلام في أول شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين، ومات في يوم الجمعة لثمانِ ليال خلوْن من هذا الشهر في السنة المذكورة، وله يومَ وفاته ثمان وعشرون سنة، ودُفن في البيت الذي دُفن فيه أبوه من دارهما بسُرَّ مَن رأى. "وخلّف ابنه المنتظر لدولة الحق". وكان قد أخفى مولده، وستر أمره، لصعوبة الوقت، وشدة طلب سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره، ولِما شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه، وعُرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولده عليه السلام في حياته، ولا عرَفه الجمهور بعد وفاته)). [الإرشاد، للشيخ المفيد، ج٢، ص٣٣٦]
وها هو الشيخ الطوسي (رحمه الله) – أيضًا – يقرر بوضوحٍ لا يقبل الشك والارتياب في كتاب "الغيبة" نفسه، فيقول: ((وكم وجدنا من ثبّت نسَبه بعد موت أبيه بدهرٍ طويل، ولم يكن أحدٌ يعرفه إذا شهِد بنسبه رجلان مسلمان، ويكون الأب أشهدهما على نفسه سترًا عن أهله وخوفًا من زوجته وأهله، فوصى به، فشهدا بعد موته، أو شهدا بعقده على امرأةٍ عقدًا صحيحًا، فجاءت بولدٍ يمكن أن يكون منه، فوجب بحكم الشرع إلحاقه به. "والخبر بولادة ابن الحسن (عليه السلام) واردٌ من جهاتٍ أكثر مما يثبت به الأنساب في الشرع"... وأما إنكار جعفر بن عليٍّ عمّ صاحب الزمان عليه السلام شهادة الإمامية بولدٍ لأخيه الحسن بن علي، ولد في حياته، ودفعه بذلك وجوده بعده، وأخذه تركته وحوزه ميراثه، وما كان منه في حمل سلطان الوقت على حبس جواري الحسن عليه السلام واستبدالهنّ بالاستبراء لهنّ من الحمل ليتأكد نفيه لولد أخيه وإباحته دماء شيعتهم بدعواهم خلفًا له بعده كان أحقَّ بمقامه، فليس بشُبهةٍ يعتمد على مثلها أحدٌ من المحصِّلين، لاتفاق الكل على أنّ جعفرًا لم يكن له عصمةٌ كعصمة الأنبياء، فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل، بل الخطأ جائزٌ عليه، والغلط غير ممتنع منه...)) [الغيبة، للشيخ الطوسي، ص١٣٤].
وها هو القمي – أيضًا – يصرح بوضوحٍ كامل في كتابه "المقالات والفرق" نفسه، فيقول: ((فنحن متمسّكون بإمامة الحسن بن علي، مُقرّون بوفاته "موقنون مؤمنون بأنّ له خلفًا من صلبه، متديّنون بذلك، وأنّه الإمام من بعد أبيه الحسن بن علي، وأنّه في هذه الحالة مستترٌ خائفٌ مغمورٌ مأمور بذلك، حتّى يأذن الله عزّ وجلّ له، فيظهر، ويعلن أمره")) [كتاب المقالات والفرق، للأشعري القمي، ص١٠٣].
وروايات الشيعة الصحيحة تُثبت أن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وُلد له المهديّ (عليه السلام)، وقد أظهره لبعض الخواصِّ من أصحابه، وعلِم بولادته ووجوده مَن كان يثق الإمام بهم من أهل بيته، فقد روى الشيخ الكليني في الكافي بسندٍ صحيح، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري، قال: ((قلت لأبي محمد عليه السلام: جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: سلْ. فقلتُ: يا سيدي هل لك ولد؟ فقال: نعم، فقلتُ: فإن حدث بك حدثٌ فأين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة)) [الكافي، ج١، ص٣٧٦].
وروى - أيضًا - بسندٍ صحيح، عن محمد بن عبد الله ومحمد بن يحيى جميعًا، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: ((اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو رحمه الله عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو، إنّي أريد أنْ أسألك عن شيء، وما أنا بشاكٍّ فيما أريد أنْ أسألك عنه، فإنّ اعتقادي وديني أنّ الأرض لا تخلو من حجة إلّا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يومًا، فإذا كان ذلك رُفعت الحجة، وأُغلق باب التوبة، فلم يكُ ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبتْ في إيمانها خيرًا، فأولئك أشرارُ خلق الله عزّ وجل، وهم الّذين تقوم عليهم القيامة، ولكنني أحببتُ أن أزداد يقينًا، وأن إبراهيم عليه السلام سأل ربّه عزّ وجل أن يُريه كيف يحيي الموتى، قال: أ ولم تؤمن؟ قال: بلى، ولكنْ ليطمئنّ قلبي، وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته، وقلت: مَن أعامل أو عمّن آخذ وقولَ مَن أقبلُ؟ فقال له: العمْريّ ثقتي، فما أدّى عني فعنّي يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، فاسمع له، وأطع، فإنّه الثقة المأمون، وأخبرني أبو علي أنّه سأل أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك، فقال له: العمْري وابنه ثقتان، فما أدّيا عنّي فعنّي يؤديان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان، فهذا قولُ إمامين قد مضيا فيك، قال: فخرّ أبو عمرو ساجدًا، وبكى، ثم قال: سلْ حاجتك، فقلت له: أنت رأيتَ الخلف من بعد أبي محمد عليه السلام؟ فقال: إي والله، ورقبته مثل ذا، وأومأ بيده، فقلت له: فبقيتْ واحدة، فقال لي: هات، فقلت: فالاسم؟ قال: محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلِّل، ولا أحرّم، ولكنْ عنه عليه السلام، فإن الأمر عند السلطان أنّ أبا محمد مضى، ولم يخلِّف ولداً، وقسم ميراثه، وأخذه من لا حقَّ له فيه، وهو ذا عيالُه يجولون، ليس أحدٌ يجسر أن يعترف إليهم أو ينيلهم شيئًا، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله، وأمسكوا عن ذلك)) [الكافي، ج١، ص٣٧٨].
فهاتان الرّوايتان الصحيحتان تُثبتان ولادة ولَدٍ للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) ووجوده، والنصوص والأدلة في ولادته في مصادر الشيعة كثيرة.
ومسألة بقاء الإمام المهدي (عليه السلام) هذه المدة الطويلة من الزمن، لا يُعدّ أمراً من المستحيل عقلًا، بل هو ممكن عقلًا، وفي التاريخ شواهدُ على ذلك، يقول القرآن الكريم عن نوح (عليه السلام): ﵟوَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَﵞ [العنكبوت:14].
فهذه الآية الكريمة تثبت أن المدة التي دعا فيها نوح (عليه السلام) قومه إلى الله تعالى هي (950) سنة، فلا يُعلم كم كان عمره يوم أرسله الله نبيًّا، وكم عاش بعد الطوفان؟!
وكذلك الخضر (عليه السلام) فهو حيٌّ من عهد موسى (عليه السلام) إلى يومنا هذا كما تفيده بعض الروايات، وعدوّ الله إبليس المخلوق قبل أن يَخلق الله سبحانه وتعالى آدم (عليه السلام) بمدة لا يعلمها إلّا الله، أخبر القرآن الكريم عنه بأنه سيعيش إلى يوم القيامة. [يُنظر: الحصون المنيعة، حسن عبد الله علي، ص٤٨٢].
وعليه، فلا دليل يمنع من بقاء الإمام المهديّ (عليه السلام) هذه المدة الطويلة من الزمن.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
