
ما تعليقكم؟ زعم ميثاق العسر قائلاً: ((زعيم الطّائفة المؤسّس الشّيخ المفيد: مات الإمام الهادي موتاً طبيعيّاً ولم يثبت عندي استشهاده بالسمّ أو القتل، كما سمّى بنته الوحيدة: عائشة!!)). وأرد صورة من كتاب الإرشاد فيها قول الشيخ المفيد ونصه: ((وتوفي أبو الحسن عليه السلام في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسر من رأى، وخلف من الولد أبا محمد الحسن ابنه وهو الإمام من بعده، والحسين، ومحمدا، وجعفرا، وابنته عائشة. وكان مقامه بسر من رأى إلى أن قبض عشر سنين وأشهرا. وتوفي وسنه يومئذ على ما قدمناه إحدى وأربعون سنة)) [الإرشاد، للشيخ المفيد، ج٢، ص311].
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمّدٍ وآله المطهَّرين مصابيحِ الظلام، وهُداةِ الأنام.
النصّ المنقول عن الشيخ المفيد (رضوان الله عليه) في كتاب الإرشاد لا يشتمل على نفيٍ للاستشهاد، ولا يتضمّن تصريحًا بالموت الطبيعي، وإنّما هو ذكرٌ تاريخيٌّ محض، اقتصر فيه على بيان وقت الوفاة، وموضع الدفن، والعمر، وذكر الأولاد، من غير تعرّضٍ لسبب الوفاة أصلًا.
فهو لم يقل: مات حتف أنفه، ولم يقل: لم يُقتل، ولم يقل: لم يُسمّ، وإنّما سكت عن ذكر السبب، والسّكوت ـ في نفسه ـ لا يدلّ على النفي، ولا يُستفاد منه نفيٌ عقلًا ولا عرفًا؛ لأنّ النفي يحتاج إلى لفظٍ يدلّ عليه، ولا يُفهم من مجرّد عدم الذكر.
وأمّا القول باستشهاد الإمام عليّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) بالسمّ، فهو مذكور بنصّ العبارة عند جملة من أعلام الطائفة، ولم يرد على جهة الاحتمال أو النقل المرسل، بل بنصوصٍ واضحةٍ لا تحتمل التأويل.
قال الشيخ الصدوق: ((وعليّ بن محمّد عليهما السلام، قتله المعتضد بالسمّ)) [الاعتقادات في دين الإماميّة، الشيخ الصدوق، ص١٠٠].
وقال الطبرسي: ((وقال قومٌ من أصحابنا: إنّ أبا محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ مضى مسمومًا، وكذلك أبوه عليّ بن محمّد وجدّه محمّد بن عليّ)) [تاج المواليد ضمن المجموعة النفيسة، للطبرسي، ص134].
وقال ابن شهرآشوب في المناقب: ((في آخر ملك المعتمد استشهد مسمومًا. وقال ابن بابويه: وسمّه المعتمد)) [بحار الأنوار، ج50، ص206، ح18].
وقال ابن الصبّاغ المالكي: ((ذهب كثير من الشيعة إلى أنّ أبا محمّد الحسن مات مسمومًا وكذلك أبوه عليهما السلام)) [الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة، ج2، ص1093].
وقال العلّامة المجلسي: ((رأيت في بعض الكتب المعتبرة أنّه رُوي عن الصدوق رحمه الله مثله، إلّا أنّه قال: وسمّ المعتزّ عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام)) [بحار الأنوار، ج٢٧، ص٢١٧].
وقال الخواجوئيّ: ((وسمّ المتوكّل النقيّ عليه السلام)) [تعليقة مفتاح الفلاح، ص341].
وقال المحدّث القمّيّ: ((قبض أبو الحسن عليّ بن محمّد الهادي عليهما السلام، مسمومًا)) [الأنوار البهيّة، ص279].
ومع ملاحظة هذه النصوص، يظهر أنّ نسبة نفي استشهاد الإمام مسمومًا إلى الشيخ المفيد لا وجه لها، وأنّ الاستناد إلى سكوته في الإرشاد لإثبات الموت الطبيعي ليس في محلّه، ولا يساعد عليه لفظه، ولا يُلتزم به مع وجود هذه التصريحات الواضحة من أعلام الطائفة.
وأمّا ما ذُكر من أنّ الشيخ المفيد (ره) عدّ من أولاد الإمام (عليه السلام) بنتًا اسمها (عائشة)، فليس في نفس الذكر ما يدلّ على مطلوبٍ زائد، ولا يُفهم منه ما يُراد إيهامه من أنّ التسمية تكشف عن موقفٍ خاصٍّ أو علاقةٍ على خلاف ما عليه الإماميّة؛ فإنّ الأسماء كانت شائعة في ذلك الزمان، ولم يقل أحد إنّ مجرّد الاشتراك في الاسم يترتّب عليه مودّة، أو يغيّر من واقع الخلاف المعروف.
والنتيجة أنّ هذا الكلام مبنيٌّ على حمل النصوص على غير ما تدلّ عليه، وترك ما هو صريح في كلمات الأعلام، وهذا ممّا لا يصحّ اعتماده، ولا يُلتفت إليه.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
