مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

إذا قضى اللهُ أنْ لا يُعبد سواه فكيف كفر به أكثرُ الخلق؟

السائل أمجد الشمري النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 544 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

القرآنُ يقول: (وقضى ربُّك ألا تعبدوا إلا إيّاه). ‏كما يقول: (إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كنْ، فيكون). فما دام اللهُ قد قضى ألّا نعبد إلّا إياه، فلماذا ظلّ أكثر من نصف سكان العالم ‏لا يعبدونه؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

إنّ هذا الإشكال ناشئٌ عن خلطٍ واضحٍ بين القضاء التكوينيّ والقضاء التشريعيّ، وهو من المغالطات التي تكرَّرت في أذهان القاصرين عن إدراك دقائق المعاني القرآنيّة. فإنّ قوله تعالى: ﵟوَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُﵞ [الإسراء:23] لا يدلّ على الجبر في العبادة، بل هو قضاءٌ تشريعيٌّ، أيْ أمرٌ وإلزامٌ من الله لعباده بأنْ يعبدوه وحدَه، وليس أنه أجبرهم تكوينًا بحيث لا يمكنهم الخروجُ عن ذلك. وهذا بيِّنٌ في القرآن الكريم، حيث أثبت للإنسان حريّة الاختيار، كما في قوله تعالى: ﵟفَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْﵞ [الكهف:29]، مما يدلّ على أنّ العبادة لله هي أمرٌ واجبٌ على العباد، لكنها لا تحصل بالإجبار والقسر، بل بالتكليف والاختبار.

وأما قوله تعالى: ﵟوَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُﵞ [البقرة:117]، فهو يتحدَّث عن القضاء التكوينيّ، أي أنّ الله عزّ وجل إذا أراد إيجاد شيءٍ تكوينًا فإنه يتحقَّق لا محالة، لكنه في ذات الوقت شاء أنْ يكون للإنسان حريّة الإرادة في التكليف؛ ولذلك قال: ﵟوَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَﵞ [يونس:99]، مما يدل على أنّ مشيئتَه لم تتعلَّق بإجبار الناس على الإيمان، بل تعلَّقت بخلقهم مختارين ممتحَنين، ليكون الثواب والعقاب قائمًا على الاستحقاق لا على القهر.

وهذا ما بيّنه أميرُ المؤمنين (عليه السلام) حينما سُئِل عن القضاء والقدر، فقال: ((ويحك لعلك ظننتَ قضاءً لازمًا وقدرًا حاتمًا. ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. وإنّ الله سبحانه أمر عباده تخييرًا، ونهاهم تحذيرًا، وكلَّف يسيرًا، ولم يكلفْ عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا. ولم يُعصَ مغلوبًا، ولم يُطَع مكرهًا، ولم يرسِل الأنبياء لعبًا، ولم يُنزلِ الكتب للعباد عبثًا، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا)) [نهج البلاغة، ج٤، ص ١٧‏].

وهذا النص الشريف يضع اليدَ على أصل المسألة، فإنّ القضاء الذي يترتّب عليه الامتحان والثواب والعقاب هو قضاءٌ تشريعيٌّ تكليفيٌّ، لا جبرَ فيه ولا إلزامَ قهريّ، وإلّا لبطلتِ الحكمةُ من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وسقط معنى الابتلاء من أساسه.

وجاء في كتاب "أنوار الأصول" بيانٌ لكلامه (عليهم السلام)، ونصُّه: ((أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ‏عدَل من عند حائطٍ مائلٍ إلى حائطٍ آخر، فقيل له: يا أمير المؤمنين، تفرّ من قضاء اللَّه؟ قال: "‏أفرّ من قضاء اللَّه إلى قدر اللَّه عزّ وجلّ". فإنّه على كلا تفسيريْه شاهدٌ لما قلناه، فإنْ كان المراد ‏منه القضاء والقدر التكوينيَّين فمعناه أنّي أفرّ من قضاء اللَّه التكوينيّ (وهو أصل سقوط الحائط ‏المائل على الإنسان الموجِب للجرح أو القتل) إلى قدره التكوينيّ، وهو أنّ الحائط المائل يوجب قتل ‏الإنسان أو جرحه في ما إذا لم يُعمل الإنسانُ اختياره، ولم يفرّ منه بإرادته ، فإنّ أصل إيجاب الحائط ‏المائل بعد سقوطه قتلَ الإنسانِ من قضاء اللَّه، ولكنّ هذا القضاء مقدّرٌ ومشروط بعدم إعمال ‏الإنسان اختياره وإرادته وبعدم عدوله وفراره منه إلى مكان آخر. وإن كان المرادُ منه القضاء ‏التكوينيّ والقدر التشريعيّ فمعناه أنّ موت الإنسان بالحائط المائل وإن كان بقضاء اللَّه وإرادته، ولكنّه ‏تعالى أمر الإنسان تشريعًا بالعدول والفرار، فكما أنّ موت الإنسان بالحائط من قضاء اللَّه التكوينيّ ‏يكون فرارُ الإنسان منه أيضًا من قدره التشريعيّ. ولا يخفى أنّ الحديث على كلا المعنيَين أصدق ‏شاهدٍ على أنّ شمول قانون العلّية لجميع الأشياء التي منها أفعال الإنسان الاختياريّة لا ينافي ‏اختيارَه وإرادته)) ‏[أنوار الأصول، الشيخ ناصر مكارم الشيرازي، ج١، ص٢٦٣]‏.‏

ولو أردنا تقريب المعنى بمثالٍ، نقول:

لو قلنا لك: إنّ النار إذا لامست الورقَ، فماذا ستقول؟ ستقول حتمًا وجزمًا: الورق سيحترق لا محالة. فنقول: هذا هو القضاء التكوينيّ الذي لا يتخلّف.

ولو قلنا لك: إنّ الدولة قضت بقانون يمنع تجاوز الإشارة الحمراء، فماذا ستقول؟

ستقول: قد يلتزم به بعضُ الناس، وقد يخالفه آخرون، مع استحقاق العقوبة على المخالفة.

فنقول: هذا مثالٌ يقرِّب لك صورة القضاء التشريعيّ، الذي فيه توجيهٌ واختبارٌ، لا جبرٌ وإلزامٌ تكوينيٌّ. ولله المثلُ الأعلى، فإنّ قوله تعالى: ﵟوَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُﵞ‏ هو من هذا الباب، أيْ أمرٌ تشريعيّ يكلّف العباد، ويترك لهم مجال الطاعة أو العصيان، ليترتَّب الثوابُ والعقاب.

وهذا ينسف الإشكالَ المطروح من أصله، فإنّ قضاء الله تعالى بأنْ يُعبَد وحده إنّما هو قضاءٌ تشريعيٌّ تكليفيّ، لا قضاءٌ تكوينيٌّ جبريّ، ولو كان تكوينيًّا لما بقي للابتلاء معنى، ولا استقام ثوابٌ ولا عقاب.

فمن لم يفرّق بين القضاء التشريعيّ والقضاء التكوينيّ، ولم يتأمّل في حكمة الله عزّ وجلّ في جعل دار الدنيا ميدانًا للاختبار، توهّم أنّ ترك الناس لعبادة الله نقضٌ لمشيئته، والحالّ أنّ المشيئة الإلهيّة إنّما اقتضت أنْ يُجعل الإنسان مختارًا في فعْله، ليُجازى على ما اختاره لنفسه من طاعةٍ أو عصيانٍ.

وبهذا البيان - أيضًا - تتّضح حقيقة القضاء والقدر، وأنّ ما يقع في الكون من سُننٍ وأسبابٍ إنما هو من قضاء الله التكوينيّ، ولكنْ مع ذلك جعل الله للإنسان اختيارًا يندرج هو الآخر تحت القضاء والقدر، فلا يسقُط التكليفُ، ولا ينتفي الامتحانُ، ولا يبطل الثوابُ والعقاب. ومن هنا يتبيّن أنّ الجبريّة باطلةٌ، وأنّ التفويض المطلق أيضًا مرفوضٌ، وإنما الحقُّ ما عليه مذهب أهل البيت (عليهم السلام): ((لا جبرَ ولا تفويضَ، بل أمرٌ بين أمرَين)) [الكافي، ج2، ص160].

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة