
يقول البارئ سبحانه {وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ}، ظاهر الآية يُصرح خلاف ما ورد في الأحاديث والروايات من أن الموتى يسمعون وأن الأحياء قادرون على أن يدعو الصالحين من الموتى ويُسمعونهم، فما جوابكم على ذلك ؟ مع بيان مفهوم ودلالة قول (أن الله يُسمع مَن يشاء) ومفهوم ودلالة (وما انتَ بمُسمع).
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحِ الظلام، وهُداةِ الأنام.
ينبغي قبل كلِّ شيءٍ تعيينُ جهةِ البحث في الآية؛ فإنّ البحث يدور في أنّها هل سيقت لبيانِ حكمٍ في سماعِ الموتى وإدراكِهم الأصواتَ، أم أنّها جاريةٌ على طريقِ التمثيل في بيانِ حالِ المؤمن والكافر، ومن يقبلُ الهدى ومن لا يقبله؟
ويتّضح المرادُ من نفسِ السياقِ القرآني؛ فإنّ الآيات قبلها تقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} [فاطر:19 و20 و21]، ثم قال: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر:22]. فهذا كلُّه واردٌ في سياقٍ واحدٍ لبيانِ الفارقِ بين طائفتين متقابلتين. لا يتكلّم عن صفاتٍ جسديّة، بل عن حالِ القلوب.
وقد نصَّ على هذا المعنى تفسيرُ القمّي. قال عليُّ بنُ إبراهيمَ القمّي في تفسيره عند هذه الآية: (({وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر. {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}، قال: هؤلاءِ الكفّارُ لا يسمعون منك كما لا يسمع أهلُ القبور)) [تفسير القمي، ج٢، ص٢٠٩].
فهو يصرّح بأنّ المرادَ بالأموات هنا الكفّار، وأنّ ذكرَ أهلِ القبور جاء على وجهِ التشبيه. أي أنّ الله شبَّه حالَ الكافر الذي لا ينتفعُ بالموعظة بحالِ الميّت في قبره. فالآية ليست بصددِ بيانِ حكمٍ حسّيٍّ في كلِّ ميّت، وإنّما هي بصددِ تصويرِ حالِ المعاند.
ثم تأمّل معي قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} [فاطر:22]. هذه الجملةُ واقعةٌ بين نفيين، وهي المفتاحُ لفهمِ المعنى. لو كان المرادُ نفيَ السماع مطلقًا عن أهلِ القبور، لما كان لتعليقِ الإسماع على مشيئةِ الله معنى. فالإسماعُ هنا بيدِ الله تعالى.
وقد بيَّن هذا المعنى الشيخُ مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل، قال: ((إنّ الله “يُسمع من يشاء لكي يسمع دعوة الحق… وما أنت بمسمعٍ من في القبور… ومن فقد الروح الإنسانية… فبديهيٌّ أنّه ليس لديه الاستعدادُ لقبول دعوتك)) [الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج١٤، ص٦٣].
فالإسماعُ في لسانِ الآية ليس مجرّدَ وصولِ الصوت إلى الأذن، بل إيصالُ الكلام بحيث يُنتفَعُ به. ولهذا قال بعدها: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}، أي أنت لا تملك أن تجعل مَن أَغلق قلبَه يسمعُ سماعَ قبول.
وقد أشار إلى هذا المعنى أيضًا الشيخُ الطوسي في التبيان، حيث قال: ((وما أنت بمسمعٍ من في القبور، أي لأنك لا تقدر على نفعِ الكفّار بإسماعك إيّاهم إذا لم يقبلوا، كما لا تُسمِعُ من في القبور من الأموات)) [التبيان في تفسير القرآن، ج ٨، ص٤٢٤].
فلاحظ أنّ الشيخَ الطوسي (ره) جعل الكلامَ تمثيلًا، ولم يجعله تقريرًا لحكمٍ مطلقٍ في السمع بعد الموت.
إذا تبيّن لك هذا، ظهر الفرقُ بين أمرين:
الأوّل: نفيُ قدرةِ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على إلزامِ القلوب بالقبول، وهذا هو معنى قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ}. أي لستَ أنت الذي تخلق السماع فيهم، ولا تملك هدايتهم قهرًا.
الثاني: إمكانُ أن يُسمِعَ اللهُ سبحانه من يشاء، كما نصّت عليه الآية نفسها. فلو ثبت في الأخبار أنّ بعضَ الموتى يسمعون في بعض المواطن، فإنّ ذلك داخلٌ تحت قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ}. فلا تعارضَ بين الأمرين.
فالآية لم تقل إنّ الميّت لا يسمع أبدًا، وإنّما قالت إنّ الرسول لا يملك أن يجعله يسمع من عند نفسه. والإسماعُ الحقيقيّ إنّما هو بيدِ الله عزّ وجلّ.
وعليه، فإذا قُرِئت الآيةُ في سياقها، مع بيانِ ما جاء في التفاسير، يتّضح لك أنّ المرادَ تشبيهُ حالِ الكافر بحالِ الميّت في القبر من جهةِ عدم الانتفاع، لا بيانَ حكمٍ مطلقٍ في إدراكِ الموتى للأصوات.
فلا يوجد في الآية ما ينفي إمكانَ سماعِ الموتى بإذن الله سبحانه، بل إنّ قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} يثبت أنّ الأمرَ راجعٌ إلى مشيئته جلّ شأنه.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجبين.
