مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

بيان المراد من قوله سبحانه: ‏{وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ‏}‏.

السائل طالب علم النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 65 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يقول البارئ سبحانه {وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ ‏بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ}، ظاهر الآية يُصرح خلاف ما ورد في الأحاديث والروايات من أن ‏الموتى يسمعون وأن الأحياء قادرون على أن يدعو الصالحين من الموتى ويُسمعونهم، فما ‏جوابكم على ذلك ؟ مع بيان مفهوم ودلالة قول (أن الله يُسمع مَن يشاء) ومفهوم ودلالة (وما انتَ ‏بمُسمع).‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيحِ الظلام، ‏وهُداةِ الأنام.‏

ينبغي قبل كلِّ شيءٍ تعيينُ جهةِ البحث في الآية؛ فإنّ البحث يدور في أنّها هل سيقت لبيانِ حكمٍ ‏في سماعِ الموتى وإدراكِهم الأصواتَ، أم أنّها جاريةٌ على طريقِ التمثيل في بيانِ حالِ المؤمن ‏والكافر، ومن يقبلُ الهدى ومن لا يقبله؟

ويتّضح المرادُ من نفسِ السياقِ القرآني؛ فإنّ الآيات قبلها تقول: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ ‏‏* وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} ‏[فاطر:19 و20 و21]، ثم قال: {وَمَا يَسْتَوِي ‏الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [فاطر:22]. فهذا كلُّه واردٌ في سياقٍ واحدٍ لبيانِ الفارقِ بين طائفتين ‏متقابلتين. لا يتكلّم عن صفاتٍ جسديّة، بل عن حالِ القلوب.‏

وقد نصَّ على هذا المعنى تفسيرُ القمّي. قال عليُّ بنُ إبراهيمَ القمّي في تفسيره عند هذه الآية: ‏‏(({وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ} مثلٌ ضربه الله للمؤمن والكافر. {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي ‏الْقُبُورِ}، قال: هؤلاءِ الكفّارُ لا يسمعون منك كما لا يسمع أهلُ القبور)) [تفسير القمي، ج٢، ‏ص٢٠٩].‏

فهو يصرّح بأنّ المرادَ بالأموات هنا الكفّار، وأنّ ذكرَ أهلِ القبور جاء على وجهِ التشبيه. أي أنّ ‏الله شبَّه حالَ الكافر الذي لا ينتفعُ بالموعظة بحالِ الميّت في قبره. فالآية ليست بصددِ بيانِ حكمٍ ‏حسّيٍّ في كلِّ ميّت، وإنّما هي بصددِ تصويرِ حالِ المعاند.‏

ثم تأمّل معي قوله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ} [فاطر:22]. هذه الجملةُ واقعةٌ بين نفيين، ‏وهي المفتاحُ لفهمِ المعنى. لو كان المرادُ نفيَ السماع مطلقًا عن أهلِ القبور، لما كان لتعليقِ ‏الإسماع على مشيئةِ الله معنى. فالإسماعُ هنا بيدِ الله تعالى.‏

وقد بيَّن هذا المعنى الشيخُ مكارم الشيرازي في تفسير الأمثل، قال: ((إنّ الله “يُسمع من يشاء ‏لكي يسمع دعوة الحق… وما أنت بمسمعٍ من في القبور… ومن فقد الروح الإنسانية… فبديهيٌّ ‏أنّه ليس لديه الاستعدادُ لقبول دعوتك)) [الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، ج١٤، ص٦٣].‏

فالإسماعُ في لسانِ الآية ليس مجرّدَ وصولِ الصوت إلى الأذن، بل إيصالُ الكلام بحيث يُنتفَعُ ‏به. ولهذا قال بعدها: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}، أي أنت لا تملك أن تجعل مَن أَغلق قلبَه ‏يسمعُ سماعَ قبول.‏

وقد أشار إلى هذا المعنى أيضًا الشيخُ الطوسي في التبيان، حيث قال: ((وما أنت بمسمعٍ من في ‏القبور، أي لأنك لا تقدر على نفعِ الكفّار بإسماعك إيّاهم إذا لم يقبلوا، كما لا تُسمِعُ من في القبور ‏من الأموات)) [التبيان في تفسير القرآن، ج ٨، ص٤٢٤].‏

فلاحظ أنّ الشيخَ الطوسي (ره) جعل الكلامَ تمثيلًا، ولم يجعله تقريرًا لحكمٍ مطلقٍ في السمع بعد ‏الموت.‏

إذا تبيّن لك هذا، ظهر الفرقُ بين أمرين:‏

الأوّل: نفيُ قدرةِ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على إلزامِ القلوب بالقبول، وهذا هو معنى ‏قوله: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ}. أي لستَ أنت الذي تخلق السماع فيهم، ولا تملك هدايتهم قهرًا.‏

الثاني: إمكانُ أن يُسمِعَ اللهُ سبحانه من يشاء، كما نصّت عليه الآية نفسها. فلو ثبت في الأخبار ‏أنّ بعضَ الموتى يسمعون في بعض المواطن، فإنّ ذلك داخلٌ تحت قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ ‏يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ}. فلا تعارضَ بين الأمرين.‏

فالآية لم تقل إنّ الميّت لا يسمع أبدًا، وإنّما قالت إنّ الرسول لا يملك أن يجعله يسمع من عند ‏نفسه. والإسماعُ الحقيقيّ إنّما هو بيدِ الله عزّ وجلّ.‏

وعليه، فإذا قُرِئت الآيةُ في سياقها، مع بيانِ ما جاء في التفاسير، يتّضح لك أنّ المرادَ تشبيهُ ‏حالِ الكافر بحالِ الميّت في القبر من جهةِ عدم الانتفاع، لا بيانَ حكمٍ مطلقٍ في إدراكِ الموتى ‏للأصوات.‏

فلا يوجد في الآية ما ينفي إمكانَ سماعِ الموتى بإذن الله سبحانه، بل إنّ قوله: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ ‏يَشَاءُ} يثبت أنّ الأمرَ راجعٌ إلى مشيئته جلّ شأنه.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّدٍ وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجبين.‏

مسائل ذات صلة