
بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . صدق الله العلي العظيم من سورة [التوبة]، هذه الآية يستدل بها أغلب أهل السنة إن لم يكن كلهم في بيان عدالة الصحابة الذين خصتهم الآية ورضى الله عليهم ويقولون أن الآية تشمل أبو بكر وعمر كونهم من السابقين الأولين ـ لكن هذه الآية تُخالفها الكثير من الروايات في كتب الفريقين التي صرحت بأن أبا بكر وعمر ومَن ماثلهم وكانوا من السابقين الأولين افتعلوا العديد المظالم التي لا تستحق رضى الله.. فما ردكم على هذا التعارض ـ وكيف نُرجح الفكر لفهمٍ صحيح له ؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
هذه الآيةُ الكريمة من أكثر الآيات التي يتشبّث بها أهلُ السُّنّة في الاستدلال على عدالة جميع الصحابة على نحو الإطلاق، غير أنّ هذا الفهم غيرُ تامّ، لا من جهة اللفظ، ولا من جهة السياق، ولا من جهة عرض الآية على سائر النصوص القطعية.
أولًا: إنّ أهل السُّنّة أنفسهم اختلفوا في تحديد المراد من عنوان ﵟالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَﵞ [التوبة:100] اختلافًا كبيرًا، حتى نقل المفسّرون في تعيينهم ثمانية أقوال، وهذا يكشف أنّ مدلول الآية ليس واضحًا بنحوٍ يمكن البناء عليه في عدالة جميع الصحابة، بل تصبح الآية - بهذا التعدّد والاختلاف في الفهم - محتاجةً إلى نصٍّ مبيِّن لها، أو إلى نصٍّ محكم يحدِّد المقصود منها.
ثانيًا: إنّ الآية لا تشمل جميع الصحابة، لأنّ قوله تعالى: ﵟمِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِﵞ يدلّ بوضوح على التبعيض، أي إنّ السابقين الأولين هم بعضٌ من المهاجرين والأنصار لا جميعهم، والأصل في كلمة (من) أن تكون للتبعيض لا للبيان، فلا يصحّ حملها على العموم إلّا بدليل، ولا دليل هنا، بل الدليل قائم على خلافه.
ثالثًا: إنّ الرضا الإلهي المذكور في الآية ليس رضا مطلقًا على امتداد العمر مهما صدر منهم بعد ذلك، بل هو رضا عن فعلٍ خاص، وهو فعل السَّبق إلى الإيمان والهجرة والنصرة، لا رضا عن جميع الأعمال إلى آخر الحياة، لأنّ القول بالرضا الأبدي مهما وقع من انحراف ينافي بداهة العقل، ويصادم نصوص القرآن الكثيرة التي تُثبت إمكان الانحراف بعد الهداية.
ولهذا نحن نقطع - بدلالة الكتاب الكريم وبالوقائع التاريخية الثابتة - أنّ بعض المهاجرين والأنصار قد صدرت منهم أفعالٌ منكرة وانحرافاتٌ واضحة، ومع هذا القطع يمتنع عقلًا وشرعًا الجمع بين تلك الانحرافات وبين دعوى الرضا الأبدي المستدلّ عليه بالآية الكريمة.
رابعًا: من أوضح القرائن التي تُبطل دعوى الرضا الشامل لجميع المهاجرين والأنصار، قوله تعالى بعد آية السابقين مباشرة: ﵟوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْﵞ [التوبة:101]، وأهلُ المدينة هم الأنصار بلا خلاف، فكيف يُقال بعد ذلك إنّ جميع الأنصار داخلون في الرضا الإلهي المطلق؟! ولا يمكن الجمع بين الآيتين إلّا بالقول: إنّ الرضا مختصّ ببعضهم لا بجميعهم، ويؤكّد هذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ﵟوَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْﵞ، وهي آية صريحة في إمكان الانقلاب بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، بل في التحذير من وقوعه فعلًا من جماعة من الصحابة. فلو كان الرضا المذكور في آية السابقين رضا مطلقًا لا يزول، لما كان لهذا التحذير أيُّ معنى، ولكان مخالفًا لصريح القرآن، وهو محال.
ويكتمل هذا البيان بما ورد في حديث الحوض المروي في الصحيحين، حيث روى البخاري ومسلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ((أنا فَرَطُكم على الحوض، وليردنَّ عليَّ رجالٌ منكم، حتى إذا عرفتُهم اختُلِجوا دوني، فأقول: أصحابي أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمن بدّل بعدي)) [صحيح البخاري، ج6، ص2587، تـ. البغا؛ صحيح مسلم، ج7، ص66، ط التركية]. وفي رواية أخرى في الصحيحين أيضًا: ((إنهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم)) [صحيح البخاري، ج3، ص1222؛ صحيح مسلم، ج8، ص157].
وهذا الحديث صريح في أنّ المطرودين عن الحوض هم ممن يعرفهم النبي (صلى الله عليه وآله) ويصفهم بأنهم من أصحابه، وأنّ سبب الطرد هو ما أحدثوه بعده من الانحراف والتبديل، وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه يتبرّأ منهم بقوله: ((سُحقًا لمن بدّل بعدي))، وهذا كلّه يهدم من الأساس فكرة عدالة جميع الصحابة.
خامسًا: السابقون الأولون من المهاجرين هم الطبقة المتقدّمة في الإيمان، كأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وجعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وخبّاب، وزيد بن حارثة، وعمّار، ومن كان في طبقتهم.
وقد روى علماء الجمهور عن ابن عبّاس أنّه قال: ((سابق هذه الأمة عليّ بن أبي طالب)) [تفسير ابن كثير، ج 4، ص 283؛ والدر المنثور، ج 6، ص 154؛ والصواعق المحرقة، ص 123؛ وروح المعاني، ج 27، ص 114]. وروي عنه أيضًا قوله: ((السبّاق ثلاثة: سبق يوشع إلى موسى، وصاحب ياسين إلى عيسى، وعليّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم)) [الآحاد والمثاني، لابن أبي عاصم، ج1، ص150].
وأمّا الأنصار، فهم النقباء المعروفون وأوائل المؤمنين منهم، كأبي أيوب الأنصاري، وسعد بن معاذ، وأبي الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ومن كان في طبقتهم.
وأمّا غير هؤلاء، ومنهم من تأخّر إيمانه، أو ثبت عليه الانحراف بعد ذلك، فهؤلاء خارجون عن عنوان السابقين الأولين، ولا يصحّ إدخالهم في مدلول الآية.
والنتيجة إنّ الآية تمدح فئةً خاصّة من المؤمنين الذين سبقوا إلى الإيمان والهجرة والنصرة وثبتوا على الاستقامة، ولا تدلّ على عدالة جميع الصحابة، ولا على الرضا الإلهي المطلق غير المشروط، وبهذا يتبيّن وجه الفهم الصحيح للآية.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
