مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

آية {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ}‏ ‏ في ضوءِ آيةِ الانقلابِ وحديثِ الحوض

السائل طالب علم النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 78 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

بسمِ اللهِ الرَحمنِ الرَحيمِ (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، ‏وَالَّذِينَ ‏اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ؛ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ . صدق الله العلي العظيم من سورة ‏‏[التوبة]، ‏هذه الآية يستدل بها أغلب أهل السنة إن لم يكن كلهم في بيان عدالة الصحابة الذين ‏خصتهم ‏الآية ورضى الله عليهم ويقولون أن الآية تشمل أبو بكر وعمر كونهم من السابقين ‏الأولين ـ لكن ‏هذه الآية تُخالفها الكثير من الروايات في كتب الفريقين التي صرحت بأن أبا بكر ‏وعمر ومَن ‏ماثلهم وكانوا من السابقين الأولين افتعلوا العديد المظالم التي لا تستحق رضى الله.. ‏فما ردكم ‏على هذا التعارض ـ وكيف نُرجح الفكر لفهمٍ صحيح له ؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

هذه الآيةُ الكريمة من أكثر الآيات التي يتشبّث بها أهلُ السُّنّة في الاستدلال على عدالة جميع ‏الصحابة على نحو الإطلاق، غير أنّ هذا الفهم غيرُ تامّ، لا من جهة اللفظ، ولا من جهة السياق، ‏ولا من جهة عرض الآية على سائر النصوص القطعية.‏

أولًا: إنّ أهل السُّنّة أنفسهم اختلفوا في تحديد المراد من عنوان ﵟالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَﵞ ‏‏[التوبة:100] اختلافًا كبيرًا، حتى نقل المفسّرون في تعيينهم ثمانية أقوال، وهذا يكشف أنّ ‏مدلول الآية ليس واضحًا بنحوٍ يمكن البناء عليه في عدالة جميع الصحابة، بل تصبح الآية - ‏بهذا التعدّد والاختلاف في الفهم - محتاجةً إلى نصٍّ مبيِّن لها، أو إلى نصٍّ محكم يحدِّد المقصود ‏منها.‏

ثانيًا: إنّ الآية لا تشمل جميع الصحابة، لأنّ قوله تعالى: ﵟمِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِﵞ يدلّ ‏بوضوح على التبعيض، أي إنّ السابقين الأولين هم بعضٌ من المهاجرين والأنصار لا جميعهم، ‏والأصل في كلمة (من) أن تكون للتبعيض لا للبيان، فلا يصحّ حملها على العموم إلّا بدليل، ولا ‏دليل هنا، بل الدليل قائم على خلافه.‏

ثالثًا: إنّ الرضا الإلهي المذكور في الآية ليس رضا مطلقًا على امتداد العمر مهما صدر منهم بعد ‏ذلك، بل هو رضا عن فعلٍ خاص، وهو فعل السَّبق إلى الإيمان والهجرة والنصرة، لا رضا عن ‏جميع الأعمال إلى آخر الحياة، لأنّ القول بالرضا الأبدي مهما وقع من انحراف ينافي بداهة ‏العقل، ويصادم نصوص القرآن الكثيرة التي تُثبت إمكان الانحراف بعد الهداية.‏

ولهذا نحن نقطع - بدلالة الكتاب الكريم وبالوقائع التاريخية الثابتة - أنّ بعض المهاجرين ‏والأنصار قد صدرت منهم أفعالٌ منكرة وانحرافاتٌ واضحة، ومع هذا القطع يمتنع عقلًا وشرعًا ‏الجمع بين تلك الانحرافات وبين دعوى الرضا الأبدي المستدلّ عليه بالآية الكريمة.‏

رابعًا: من أوضح القرائن التي تُبطل دعوى الرضا الشامل لجميع المهاجرين والأنصار، قوله ‏تعالى بعد آية السابقين مباشرة: ﵟوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا ‏عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْﵞ [التوبة:101]، وأهلُ المدينة هم الأنصار بلا خلاف، فكيف ‏يُقال بعد ذلك إنّ جميع الأنصار داخلون في الرضا الإلهي المطلق؟! ولا يمكن الجمع بين ‏الآيتين إلّا بالقول: إنّ الرضا مختصّ ببعضهم لا بجميعهم، ويؤكّد هذا المعنى أيضًا قوله تعالى: ‏‏ﵟوَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْﵞ، وهي آية ‏صريحة في إمكان الانقلاب بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، بل في التحذير من وقوعه فعلًا من ‏جماعة من الصحابة. فلو كان الرضا المذكور في آية السابقين رضا مطلقًا لا يزول، لما كان لهذا ‏التحذير أيُّ معنى، ولكان مخالفًا لصريح القرآن، وهو محال.‏

ويكتمل هذا البيان بما ورد في حديث الحوض المروي في الصحيحين، حيث روى البخاري ‏ومسلم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ((أنا فَرَطُكم على الحوض، وليردنَّ عليَّ رجالٌ ‏منكم، حتى إذا عرفتُهم اختُلِجوا دوني، فأقول: أصحابي أصحابي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا ‏بعدك، فأقول: سُحقًا سُحقًا لمن بدّل بعدي)) [صحيح البخاري، ج6، ص2587، تـ. البغا؛ ‏صحيح مسلم، ج7، ص66، ط التركية]. وفي رواية أخرى في الصحيحين أيضًا: ((إنهم لم ‏يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم)) [صحيح البخاري، ج3، ص1222؛ صحيح مسلم، ‏ج8، ص157].‏

وهذا الحديث صريح في أنّ المطرودين عن الحوض هم ممن يعرفهم النبي (صلى الله عليه ‏وآله) ويصفهم بأنهم من أصحابه، وأنّ سبب الطرد هو ما أحدثوه بعده من الانحراف والتبديل، ‏وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) نفسه يتبرّأ منهم بقوله: ((سُحقًا لمن بدّل بعدي))، وهذا كلّه يهدم ‏من الأساس فكرة عدالة جميع الصحابة.‏

خامسًا: السابقون الأولون من المهاجرين هم الطبقة المتقدّمة في الإيمان، كأمير المؤمنين عليّ ‏بن أبي طالب (عليه السلام)، وجعفر بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وخبّاب، وزيد بن ‏حارثة، وعمّار، ومن كان في طبقتهم.‏

وقد روى علماء الجمهور عن ابن عبّاس أنّه قال: ((سابق هذه الأمة عليّ بن أبي طالب)) ‏‏[تفسير ابن كثير، ج 4، ص 283؛ والدر المنثور، ج 6، ص 154؛ والصواعق المحرقة، ص ‏‏123؛ وروح المعاني، ج 27، ص 114]. وروي عنه أيضًا قوله: ((السبّاق ثلاثة: سبق يوشع ‏إلى موسى، وصاحب ياسين إلى عيسى، وعليّ إلى النبي صلى الله عليه وسلم)) [الآحاد ‏والمثاني، لابن أبي عاصم، ج1، ص150].‏

وأمّا الأنصار، فهم النقباء المعروفون وأوائل المؤمنين منهم، كأبي أيوب الأنصاري، وسعد بن ‏معاذ، وأبي الهيثم بن التيهان، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، ومن كان في طبقتهم.‏

وأمّا غير هؤلاء، ومنهم من تأخّر إيمانه، أو ثبت عليه الانحراف بعد ذلك، فهؤلاء خارجون عن ‏عنوان السابقين الأولين، ولا يصحّ إدخالهم في مدلول الآية.‏

والنتيجة إنّ الآية تمدح فئةً خاصّة من المؤمنين الذين سبقوا إلى الإيمان والهجرة والنصرة ‏وثبتوا على الاستقامة، ولا تدلّ على عدالة جميع الصحابة، ولا على الرضا الإلهي المطلق غير ‏المشروط، وبهذا يتبيّن وجه الفهم الصحيح للآية.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة