مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

آية {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ} بين الإسلام والإيمان‏

السائل أم علاوي النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 59 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

الآية القرآنية: بسم الله الرحمن الرحيم {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}، ‏هذه الآية تُبيّن أنّ أيَّ شخص يُلقي السلام هو مؤمن، يعني أنّ المخالف أيضًا يُعتبر مؤمنًا، لكنّه ‏غيرُ موالٍ. نحن الشيعة نُطلق كلمة «المؤمن» فقط علينا لأنّنا موالون للإمام علي (عليه السلام) ‏والأئمّة الأطهار.‏ السؤال: لماذا لا نقول إنّ الجميع مؤمنون، ونحن الشيعة مؤمنون خصوصًا بولايتنا للإمام علي ‏‏(عليه السلام) والأئمّة الأطهار؟ ولماذا نعتبرهم غير مؤمنين وهم يؤمنون بالتوحيد وينطقون ‏بالشهادتين؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

لا إشكال في أنّ الإسلام يثبت بالإقرار بالشهادتين، وهذا أمر متّفق عليه بين المسلمين جميعًا، ‏ولا يُخرَج الإنسان عن الإسلام بعد النطق بهما إلّا من ثبت خروجه بالدليل القطعي، كالنواصب ‏والخوارج. فإذا أقرّ الإنسان بالشهادتين، جرت عليه أحكام الإسلام، فحُقِن دمه، وحُفظ ماله ‏وعِرضه، وجرت عليه سائر الأحكام الظاهرية للمسلمين.‏

أمّا الإيمان، فليس هو نفس هذا الظاهر، بل هو مرتبة أعلى من الإسلام، وقد نصّ علماء ‏الإمامية على هذا الفرق بوضوح، ومنهم الشيخ المفيد (ره)، حيث قال: ((واتفقت الإمامية أن ‏الإسلام غير الإيمان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا)) [يُنظر: أوائل المقالات، ‏للشيخ المفيد، ص15].‏

وهذا التفصيل نفسه بيّنه القرآن الكريم بأوضح بيان، كما في قوله تعالى: ﵟقَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ‏قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْﵞ [الحجرات:14]، فالآية صريحة ‏في أنّ ثمّة فرقًا بين الإسلام والإيمان، وأنّ الإنسان قد يكون مسلمًا من جهة الظاهر، لكنه لم يبلغ ‏بعدُ مرتبة الإيمان الحقيقي.‏

وبهذا يتبيّن أنّ لفظ الإيمان في القرآن الكريم يُستعمل على معنيين:‏

المعنى الأوّل: الدخول في الإسلام، وهو الذي يثبت به الحكم الظاهري، كإجراء الأحكام، وحقن ‏الدم، وحفظ المال والعِرض، وهذا يحصل بالشهادتين وإظهار شعائر الإسلام.‏

والمعنى الثاني: وهو ما يستقرّ في القلب من تصديق وتسليم وخشيةٍ لله تعالى، بحيث يلتزم ‏الإنسان بالواجبات ويجتنب المحرّمات عن يقين وخضوع.‏

وعلى هذا الأساس، فإنّ الآية محلّ السؤال، وهي قوله تعالى: ﵟوَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ ‏لَسْتَ مُؤْمِنًاﵞ [النساء:94]، إنما تتحدّث عن الإسلام الظاهر، لا عن الإيمان بالمعنى الكامل.‏

أي إنّ من أظهر شعار الإسلام، كإلقاء السلام، لا يجوز نفي الإسلام عنه، ولا يُتّهم بالكفر ولا ‏بالنفاق لمجرّد الظن، وليس المراد من الآية أنّ هذا الشخص بلغ حقيقة الإيمان التي هي مقام ‏التسليم الكامل.‏

ولهذا قال السيد الطباطبائي في تفسيره: ((والمراد بإلقاء السلام إلقاء التحية، تحية أهل الإيمان، ‏وقرئ: "لمن ألقى إليكم السلم" بفتح اللام، وهو الاستسلام)).‏

وأمّا الفرق بين الإسلام والإيمان في كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد بيّنه الإمام ‏الباقر (عليه السلام) بعبارة واضحة حين قال: ((الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما عليه ‏التناكح والتوارث وحقنت به الدماء، والإيمان يشرك الإسلام، والإسلام لا يشرك الإيمان)). ‏وقال (عليه السلام) أيضًا: ((الإيمان إقرار وعمل، والإسلام إقرار بلا عمل)) [تحف العقول عن ‏آل الرسول (ص)، ابن شعبة الحراني، ص٣٠٨].‏

فهذا كلّه يوضّح أن الإسلام هو الدخول في حكم الإسلام وترتّب آثاره الشرعية الظاهرة، وأمّا ‏الإيمان فهو مقامٌ أعلى رتبةً من ذلك، يقوم على التسليم الحقيقي لما جاء من عند الله، وفي مقدّمته ‏ولاية أهل البيت (عليهم السلام).‏

وعلى هذا الأساس نقول: إنّ المخالف مسلم بلا شكّ، ولا يجوز نزع اسم الإسلام عنه، لأنه يشهد ‏بالتوحيد والرسالة وتُجرى عليه أحكام الإسلام، لكنّه لا يبلغ درجة المؤمن بالمعنى الكامل الذي ‏نطلقه نحن على من جمع بين الإسلام الظاهر وبين الإيمان الباطن القائم على التسليم والولاية.‏

فليس في الأمر تضييق بغير حقّ، بل هو تمييز قرآني وروائي دقيق بين مقام الإسلام ومقام ‏الإيمان، ولذلك نقول: إنّ كلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمنًا.‏

والآية محلّ السؤال إنّما تتحدّث عن الإسلام الظاهر الذي يثبت بإظهار الشعائر كإلقاء السلام، لا ‏عن الإيمان الخاص الذي هو مقام آخر وأعلى من ذلك.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة