
الآية القرآنية: بسم الله الرحمن الرحيم {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}، هذه الآية تُبيّن أنّ أيَّ شخص يُلقي السلام هو مؤمن، يعني أنّ المخالف أيضًا يُعتبر مؤمنًا، لكنّه غيرُ موالٍ. نحن الشيعة نُطلق كلمة «المؤمن» فقط علينا لأنّنا موالون للإمام علي (عليه السلام) والأئمّة الأطهار. السؤال: لماذا لا نقول إنّ الجميع مؤمنون، ونحن الشيعة مؤمنون خصوصًا بولايتنا للإمام علي (عليه السلام) والأئمّة الأطهار؟ ولماذا نعتبرهم غير مؤمنين وهم يؤمنون بالتوحيد وينطقون بالشهادتين؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
لا إشكال في أنّ الإسلام يثبت بالإقرار بالشهادتين، وهذا أمر متّفق عليه بين المسلمين جميعًا، ولا يُخرَج الإنسان عن الإسلام بعد النطق بهما إلّا من ثبت خروجه بالدليل القطعي، كالنواصب والخوارج. فإذا أقرّ الإنسان بالشهادتين، جرت عليه أحكام الإسلام، فحُقِن دمه، وحُفظ ماله وعِرضه، وجرت عليه سائر الأحكام الظاهرية للمسلمين.
أمّا الإيمان، فليس هو نفس هذا الظاهر، بل هو مرتبة أعلى من الإسلام، وقد نصّ علماء الإمامية على هذا الفرق بوضوح، ومنهم الشيخ المفيد (ره)، حيث قال: ((واتفقت الإمامية أن الإسلام غير الإيمان، وأن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا)) [يُنظر: أوائل المقالات، للشيخ المفيد، ص15].
وهذا التفصيل نفسه بيّنه القرآن الكريم بأوضح بيان، كما في قوله تعالى: ﵟقَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْﵞ [الحجرات:14]، فالآية صريحة في أنّ ثمّة فرقًا بين الإسلام والإيمان، وأنّ الإنسان قد يكون مسلمًا من جهة الظاهر، لكنه لم يبلغ بعدُ مرتبة الإيمان الحقيقي.
وبهذا يتبيّن أنّ لفظ الإيمان في القرآن الكريم يُستعمل على معنيين:
المعنى الأوّل: الدخول في الإسلام، وهو الذي يثبت به الحكم الظاهري، كإجراء الأحكام، وحقن الدم، وحفظ المال والعِرض، وهذا يحصل بالشهادتين وإظهار شعائر الإسلام.
والمعنى الثاني: وهو ما يستقرّ في القلب من تصديق وتسليم وخشيةٍ لله تعالى، بحيث يلتزم الإنسان بالواجبات ويجتنب المحرّمات عن يقين وخضوع.
وعلى هذا الأساس، فإنّ الآية محلّ السؤال، وهي قوله تعالى: ﵟوَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًاﵞ [النساء:94]، إنما تتحدّث عن الإسلام الظاهر، لا عن الإيمان بالمعنى الكامل.
أي إنّ من أظهر شعار الإسلام، كإلقاء السلام، لا يجوز نفي الإسلام عنه، ولا يُتّهم بالكفر ولا بالنفاق لمجرّد الظن، وليس المراد من الآية أنّ هذا الشخص بلغ حقيقة الإيمان التي هي مقام التسليم الكامل.
ولهذا قال السيد الطباطبائي في تفسيره: ((والمراد بإلقاء السلام إلقاء التحية، تحية أهل الإيمان، وقرئ: "لمن ألقى إليكم السلم" بفتح اللام، وهو الاستسلام)).
وأمّا الفرق بين الإسلام والإيمان في كلمات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد بيّنه الإمام الباقر (عليه السلام) بعبارة واضحة حين قال: ((الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما عليه التناكح والتوارث وحقنت به الدماء، والإيمان يشرك الإسلام، والإسلام لا يشرك الإيمان)). وقال (عليه السلام) أيضًا: ((الإيمان إقرار وعمل، والإسلام إقرار بلا عمل)) [تحف العقول عن آل الرسول (ص)، ابن شعبة الحراني، ص٣٠٨].
فهذا كلّه يوضّح أن الإسلام هو الدخول في حكم الإسلام وترتّب آثاره الشرعية الظاهرة، وأمّا الإيمان فهو مقامٌ أعلى رتبةً من ذلك، يقوم على التسليم الحقيقي لما جاء من عند الله، وفي مقدّمته ولاية أهل البيت (عليهم السلام).
وعلى هذا الأساس نقول: إنّ المخالف مسلم بلا شكّ، ولا يجوز نزع اسم الإسلام عنه، لأنه يشهد بالتوحيد والرسالة وتُجرى عليه أحكام الإسلام، لكنّه لا يبلغ درجة المؤمن بالمعنى الكامل الذي نطلقه نحن على من جمع بين الإسلام الظاهر وبين الإيمان الباطن القائم على التسليم والولاية.
فليس في الأمر تضييق بغير حقّ، بل هو تمييز قرآني وروائي دقيق بين مقام الإسلام ومقام الإيمان، ولذلك نقول: إنّ كلّ مؤمن مسلم، وليس كلّ مسلم مؤمنًا.
والآية محلّ السؤال إنّما تتحدّث عن الإسلام الظاهر الذي يثبت بإظهار الشعائر كإلقاء السلام، لا عن الإيمان الخاص الذي هو مقام آخر وأعلى من ذلك.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
