
من هم العترة عندكم؟ وهل هي مقتصرة على أولاد الحسين رضي الله عنه أو هي كل أهل الرسول وأولاد علي رضي الله عنه؟ وأين تضعون حديث زيد بن أرقم الوارد في صحيح مسلم؟!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
المراد بالعترة هم نسل النبي ورهطه الأدنون، وهذا المعنى مفسَّر لغةً وشرعًا، وإليك البيان:
أمّا اللغة: فقد قال الجوهري في الصحاح: ((عترة الرجل: نسله ورهطه الأدنون)) [الصحاح، ج2، ص735].
وقال ابن الأثير في النهاية بعد ذكره لحديث الثقلين: ((عترة الرجل: أخصّ أقاربه)) [النهاية في غريب الحديث، ج3، ص177].
وعن الفراهيدي في كتاب العين، قال: ((وعترة الرجل: أصله. وعترة الرجل أقرباؤه من ولده وولد ولده وبني عمّه دنيًا)) [كتاب العين، ج2، ص66].
وقال ابن منظور في لسان العرب بعد أن روى حديث الثقلين، ونقل كلام ابن الأثير المتقدّم: ((وقال ابن الأعرابي: العترة ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، قال: فعترة النبيّ صلى الله عليه وسلم ولد فاطمة البتول عليها السلام)) [لسان العرب، ج4، ص538].
وجاء عن الزبيدي في التاج: ((وإنّ عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد فاطمة رضي الله عنها، هذا قول ابن سيدة، وقال أبو عبيد وغيره: عترة الرجل وأسرته وفصيلته: رهطه الأدنون، وقال ابن الأثير: عترة الرجل أخصّ أقاربه، وقال ابن الأعرابي: عترة الرجل ولده وذريته وعقبه من صلبه، قال: فعترة النبيّ صلى الله عليه وسلم: ولد فاطمة البتول عليها السلام)) [تاج العروس، ج7، ص186].
وأمّا شرعًا: فقد بيّن النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) في أحاديث متضافرة متواترة مراده بـعـتـرتـه بــأنّـهم أهـل بيتــه، وبـيّـن مــراده بـأهـل بيتـه بـأنّهـم عليّ وفـاطـمـة والحسـن والحسيـن (عليهم السلام) [ارجع إلى صحيح مسلم، ج7، ص121، مسند أحمد، ج1، ص185، وج4، ص107، فتح الباري، ج7، ص104، سنن الترمذي، ج4، ص294، وج5، ص302، المستدرك على الصحيحين، ج2، ص451، في ما صححه الحاكم، ووافقه الذهبي].. وهذا المعنى -أيضًا - ممّا اعترف به علماء أهل السنّة، وأقرّوا به في كتبهم.
قال المناوي الشافعي في "فيض القدير": (("وعترتي أهل بيتي"، تفصيل بعد إجمال بدلًا أو بيانًا، وهم أصحاب الكسـاء الّـذين أذهب الله عنهـم الرجـس، وطـهـّرهم تطهيـرًا)) [فيض القدير، ج3، ص19].
وقال الشيخ عبد الحقّ الدهلوي في "أشعة اللمعات": ((قوله: والعترة رهط الرجل وأقرباؤه وعشيرته الأدنون، وفسّره صلى الله عليه وسلم بقوله: (وأهل بيتي)، للإشارة إلى أنّ مراده هنا من العترة أخصّ عشيرته وأقاربه، وهم أولاد الجد القريب، أي: أولاده وذريته صلى الله عليه وسلم)) [أشعة اللمعات، ج4، ص681].
وقال الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول": ((قوله صلى الله عليه وسلم: (لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)، وقوله: (ما إن أخذتم به، لن تضلّوا)، واقع على الأئمّة منهم السادة، لا على غيرهم)) [نوادر الأصول، ج1، ص209].
وقال ابن حجر الهيتمي في "الصواعق المحرقة": ((ثمّ أحق من يتمسك به منهم إمامهم وعالمهم عليّ بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) لما قدمناه من مزيد علمه ودقائق مستنبطاته، ومن ثمّ قال أبو بكر: عليّ عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: الّذين حثّ على التمسّك بهم، فخصّه لما قلناه؛ لذلك خصّه صلى الله عليه وسلم بما مرّ يوم غدير خم)) [الصواعق المحرقة، ج2، ص442].
وقال القاري في "مرقاة المفاتيح" عند شرحه لحديث الثقلين ما نصّه:
((وأقول: الأظهر هو أن أهل البيت غالبًا يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم المطلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، ولهذا يصلح أن يكونوا مقابلًا لكتاب الله سبحانه كما قال: {ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة: 129] ويؤيده ما أخرجه أحمد في المناقب، عن حميد بن عبد الله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر عنده قضاء قضى به علي بن أبي طالب، فأعجبه، وقال: الحمد لله الذي جعل فينا الحكمة أهل البيت، وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين عن محمد بن مسعر اليربوعي، قال: قال علي للحسن: كم بين الإيمان واليقين؟ قال: أربع أصابع. قال: بيّن. قال: اليقين ما رأته عينك، والإيمان ما سمعته أذنك، وصدقت به. قال: أشهد أنك ممن أنت منه، ذرية بعضها من بعض، وقارف الزهري، فهام على وجهه، فقال له زين العابدين: قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم عليه من ذنبك. فقال الزهري: الله أعلم حيث يجعل رسالته، فرجع إلى أهله)) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، ج9، ص3975].
وأما عن حديث زيد بن أرقم الوارد في صحيح مسلم، فجوابه: أن ما فسّره زيد بن أرقم بأنّ أهل بيته (صلى الله عليه وآله) هو خصوص من حرم الصدقة بعده، وهم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، فهو لا يعدو أن يكون رأيًا رآه، وهو ليس بحجّة؛ لأنّه لم يصدر عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل الصادر عنه (صلى الله عليه وآله) هو ما تضافر نقله في تنصيصه (صلى الله عليه وآله) على أنّ المراد بأهل بيته هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) دون غيرهم.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
