مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

عليٌّ أقضى الأمّة بلا منازعٍ

السائل الشيخ الأزهريّ النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 451 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

حديثُ: "أقْضَاكُمْ عليٌّ" ليس فيه أنه أقضى من أبي بكر وعُمر رضي الله عنهما؛ فإنه يقتضي أنه أقضى من المخاطَبين، ولم يَثبُت كونهما كانا من المخاطَبين، ولا يلزم من كون واحدٍ أقضى من جماعةٍ أنْ يكون أقضى من كلِّ واحدٍ.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

هذا الزعم مجرَّد تهرُّبٍ مكشوفٍ من الدلالة الواضحة للنصِّ ومحاولةٍ يائسة لتحجيم فضل أمير المؤمنين (عليه السلام)، على رغم أنّ الحديث جاء بصيغة التفضيل المطلَقة التي لا تقبل التقييد إلا بقرينةٍ، وهي غيرُ موجودة.

فلو كان هناك مَن هو أقضى من عليٍّ (عليه السلام) لوجب على النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنْ يبيِّن ذلك، وإلّا كان الحديث مضلِّلًا، وحاشاه أنْ يقول ما يوهِم السامعين.

وهذه ليست المحاولة الأولى للالتفاف على مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل هي جزءٌ من منهجٍ طالما استُعمِل في تحريف الدّلالات أو إنكار الروايات الواضحة، فحينما يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله): ((أقضاكم عليٌّ)) من دون استثناء، فمِن أين يأتي البعض ليستثني أبا بكر وعمر بغير دليلٍ؟! أيُّ عقلٍ أو منطقٍ يقبل هذا التلاعُب؟!

ولو سلّمنا لهم بهذا النهج في التأويل لوجب أنْ نقيِّد كلّ الفضائل الواردة بحقِّ الصحابة، ونقول: "إنها لا تشمل إلا بعض المخاطَبين"، وهو ما لا يقول به أحدٌ.

لكنّ الحقيقة التي يخشاها القوم أنّ حديث ((أقضاكم عليٌّ)) ليس مجرَّد شهادةٍ عابرة، بل هو تأكيدٌ على أعلميّة الإمام (عليه السلام) في القضاء، والتي لم تقتصر على النبيّ (صلى الله عليه وآله)، بل أيّدها حتى أولئك الذين يحاولون إنكارها اليوم، فقد نقل أبو بكر بن الخلّال في كتابه "السُّنة" بسنده عن عطاء، أنه قال: ((سمعتُ عائشة تقول: عليٌّ أعلم الناس بالسُّنة)) [السنة؛ لأبي بكر بن الخلال، ج2، ص343]، وعائشة ليستْ من محبِّيه، بل كانت في موضع الخصومة معه، ومع ذلك اعترفتْ بعلمه، وهذا يُبطِل كل محاولات التشكيك.

ثم إنّ علم القضاء لا يُختزَل في القدرة على إصدار الأحكام، بل هو قائمٌ على الفقه الدقيق وفهْم أصول الدين والشريعة، فكيف يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) أقضى الأمّة دون أنْ يكون أفقهها؟! هذا تناقضٌ لا يقبله العقل!

ولهذا حينما سُئِل عطاء بن أبي رباح: ((أ كان أحدٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفقهَ مِن عليّ؟ قال: لا والله ما علمتُه)) [مقتل عليّ، لابن أبي الدنيا، ص92]. فهذا التصريح ليس رأيًا شخصيًّا، بل شهادة تاريخيّة على أفضليَّته المطلقة في الفقه.

وأما عمر بن الخطاب نفسه، فقد أقرَّ بعجزه أمام علم عليٍّ (عليه السلام) في القضاء، فقال: ((أقضانا عليٌّ)) [أخبار القضاة، ج1، ص89]. وإذا كان عمر يعترف بذلك، فمن هؤلاء الذين يريدون أنْ ينكروا اليومَ ما أقرّ به أصحابُ النبي (صلى الله عليه وآله)؟! هل هم أعلمُ من عمر؟ أو إنهم يدّعون معرفةً لم تكن عند الصحابة أنفسهم؟!

بل إنّ ابن مسعودٍ ـ وهو أحدُ كبار الفقهاء بين الصحابة ـ شهِد بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الأعلم بعلم الفرائض، فقال: ((أعلمُ أهل المدينة بالفرائض عليُّ بن أبي طالب)) [الاستيعاب، لابن عبد البر، ج1، ص340]. والفرائض إحدى أبرز أركان القضاء، فهل يُعقَل أنْ يكون الأعلم بالفرائض، والأعلم بالسنة، والأفقه، ثم لا يكون الأعلم بالقضاء؟! هذه مغالطةٌ لا يقول بها إلا معاندٌ.

وحتى العلماء المحقِّقون من أهل السُّنة لم يستطيعوا إنكار هذه الحقيقة، فقد قال الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير": ((وأنه بابُ مدينته، مَن أتى منه نال مرامَه، وفيه الشهادة العادلة له بالأعلميّة، وقد اتّفق على ذلك المؤالف والمخالف، حتى قيل لعطاء: هل كان أحدٌ من الصحب ‌أفقه ‌من ‌عليّ؟ قال: لا والله)) [التنوير شرح الجامع الصغير، للصنعاني، ج4، ص265]. فأين يذهب المنكرون بعد هذا الإقرار؟ أم إنهم يُصرّون على المكابرة؟

إنّ هذا الإشكال ليس إشكالًا علميًّا، بل هو محاولةٌ بائسةٌ لطمس مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام)، لكنهم لم ولن يستطيعوا، فقد شهِد له التاريخ، وأقرّ له بذلك حتى خصومه، وإنكار الشمس في وضح النهار لا يزيدُها إلا إشراقًا.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة