
في كتب الشيعة، سيدنا علي رضي الله عنه (جمل مخشوش)، وللأسف فإن ((المعصوم)) ثبّت هذا الوصف (فصيلة الجمال) على نفسه، ولم ينفِهِ، فهم يصفونه بالجمل والبعير؛ لأجل إثبات أنه اقتيد قسرًا لبيعة أبي بكر، وأن الأمة غدرت به.. وهذا من عجائب الرافضة وأكاذيبهم!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
عبارة (الجمل المخشوش) وردتْ في نهج البلاغة، وهي من كلام معاوية، وصف بها الإمام عليًّا (عليه السلام) لما أخذ مقيَّدًا إلى أبي بكر حتّى يبايع له، فالنصّ يقول: ((ومن كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابًا ... إلى أن يقول: وقُلتَ: إنّي كنتُ أقاد كما يُقاد الجمل المخشوش، حتّى أبايع، ولعمر الله لقد أردتَ أنْ تذمَّ، فمدحتَ، وأن تفضحَ، فافتُضحتَ. وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلومًا، ما لم يكن شاكًّا في دينه ولا مرتابًا بيقينه)). انتهى. [نهج البلاغة، ج3، ص33].
فالكلام ليس من كلام الشيعة، بل هو من كلام معاوية بنصِّ نهج البلاغة نفسِه، الذي يعدّ أقدم المصادر لهذه اللفظة.
هذا، فضلًا عن أنَّ الوصف المذكور ـ (الجمل المخشوش) ـ هو وصفُ مدحٍ، وليس ذمًّا، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، فالمؤمن يوصف بالجمل، كما في الروايات، فقد روى أحمد في مسنده، وروى غيره أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((فإنّما المؤمن كالجمل الأَنِف حيثما انقيد انقاد)) [مسند أحمد، ج4، ص126، المستدرك على الصحيحين، ج1، ص96]، وقد حسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة [انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج2، ص610].
وقد ورد في "مجمع الزوائد" للهيثمي: ((عن البراء بن عازب، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي، فجاء الحسن والحسين أو أحدهما، فركب على ظهره، فكان إذا رفع رأسه قال بيده، فأمسكه أو أمسكهما، قال: نعم المطية مطيتكما)). رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن. [مجمع الزوائد، ج9، ص182].
وكلمة (مخشوش) مشتقة من الخِشاش ـ بكسر الخاء ـ وهو ما يُدخَل في عظم أنف البعير من خشب لينقاد. [لسان العرب، ج6، ص296]، وهي وصف قد وَصَف به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما ينقله الفخر الرازي من حديث كعب بن عجرة عن أبيه أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((لا تسبّوا عليًّا؛ فإنّه كان مخشوشًا في ذات الله)) [تفسير الرازي، ج1، ص119]، أي منقادًا في ذات الله.
فإنْ كان الإشكال في أخذ الإمام عليّ (عليه السلام) على هذه الهيأة من الانقياد ليبايع أبا بكر، فهذا يعد دليلًا صارخًا على بطلان خلافة أبي بكر وعدم مشروعيتها لإجباره كبار الصحابة وأجلائهم - كأمير المؤمنين (عليه السلام) - على مبايعته بهذه الطريقة التعسُّفية، الأمر الذي تكشفه لنا الأحاديث الصحيحة الصريحة في كتب أهل السنّة نفسها، ففي حديثٍ صحيحِ السند يرويه ابن أبي شيبة في مصنفه بأنَّ جماعة خلافة السقيفة أقبلوا إلى بيت عليٍّ (عليه السلام) يريدون إحراقه على من فيه؛ لأنّه امتنع أن يبايع لأبي بكر هو وجماعة من الصحابة، فيقول: ((حدثنا محمد بن بشر، حدثنا عبيد الله بن عمر، حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه أسلم أنه حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله (ص) كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله (ص)، فيشاورونها، ويرتجعون في أمرهم، فلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة، فقال: يا بنت رسول الله (ص) ما من الخلق أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك، وايم الله ما ذاك بمانعي إنِ اجتمع هؤلاء النفر عندك أن آمر بهم أَن يحرق عليهم البيت، قال: فلما خرج عمر جاؤوها، فقالت: تعلمون أن عمر قد جاءني، وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقنّ عليكم البيت، وايم الله ليُمضينّ ما حلف عليه، فانصرفوا راشدين، فرُوا رأيكم، ولا ترجعوا إليّ، فانصرفوا عنها، ولم يرجعوا إليها حتى بايعوا لأبي بكر)) [المصنف في الأحاديث والآثار، ج7، ص432، ح37045].
وفي صحيح البخاري: ((كان لعليٍّ من الناس وجهٌ حياةَ فاطمة، فلما تُوفِّيت استنكر على وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبى بكر ومبايعته، ولم يكن يبايع تلك الأشهر)) [صحيح البخاري، ج5، ص83].
وفي صحيح مسلم يروي على لسان عمر نفسه، حين خاطب عمر بن الخطاب أمير المؤمنين عليًّا (عليه السلام)، والعباس عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قائلًا لهما : ((فجئتما، تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها، فقال أبو بكر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما نورِّث، ما تركناه صدقة، فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إنّه لصادق بارٌّ راشد تابع للحقّ، ثمَّ تُوفِّي أبو بكر، وأنا وليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ووليّ أبي بكر، فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا)) [صحيح مسلم، ج5، ص152].
فهذه الحقائق والوقائع التي يرويها أهل السنّة أنفسهم في أصحّ كتبهم تكشف لنا بكلّ وضوحٍ عن طبيعة القمع الذي مارسه أصحاب السقيفة مع كبار الصحابة، ومنهم أمير المؤمنين (عليه السلام) كي يجبروهم على البيعة!
أمّا أحاديث غدر الأمّة بأمير المؤمنين (عليه السلام) فحدّث، ولا حرج، فقد روى الحاكم في مستدركه بسندٍ صحيح عن أبي إدريس الأودي عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: ((إنّ مما عهد إليّ النبي (صلى الله عليه وسلم) أنّ الأمة ستغدر بي بعده)) وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. [المستدرك على الصحيحين، ج3، ص150].
وهي الحقيقة التي صدع بها عالمٌ كبير من علماء أهل السنّة، وهو الإمام الغزالي، الذي قال في كتابه "سرّ العالمين": ((لكن أسفرت الحجّة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث، من خطبته في يوم غدير خمّ، باتّفاق الجميع، وهو يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه. فقال عمر: بخٍ بخ يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. فهذا تسليم ورضًا وتحكيم، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار؛ سقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا)) [مجموعة رسائل الإمام الغزالي، كتاب سر العالمين، ص483].
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
