
نريد روايةً من كتبكم عن عليٍّ رضى الله عنه يقول فيها بأنه معصوم، وروايةً أخرى يقول فيها: إنه يعلم الغيب. تفضلوا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
أما السؤال عن روايةٍ يصرح فيها الإمام علي (عليه السلام) عن عصمته، فجوابه:
روى ثقة الإسلام الشيخ الكليني قدِّس سره في الكافي بسندٍ معتبر عن سُليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه، أنه قال: ((إن الله طهَّرنا، وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجته في أرضه، وجعلنا مع القرآن، وجعل القرآن معنا، لا نفارقه، ولا يفارقنا)) [الكافي، ج1، ص239].
وروى الشيخ الصدوق قدس سره في علل الشرائع بسنده عن سليم بن قيس، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ((إنما الطاعة لله عز وجل ولرسوله ولولاة الأمر، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر؛ لأنهم معصومون مطهَّرون، ولا يأمرون بمعصيته)) [علل الشرائع، ج1، ص123].
وروى الخزاز القمي في "كفاية الأثر" بسندٍ معتبر عن الحسين بن علي عن أبيه علي (عليه السلام) أنه قال: (( دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله في بيت أم سلمة، وقد نزلت هذه الآية (إِنَّما يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي، هذه الآية نزلت فيك وفي سبطيَّ والأئمة من ولدك، فقلت: يا رسول الله، وكم الأئمة بعدك؟ قال: أنت يا علي، ثم ابناك الحسن والحسين، وبعد الحسين علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجة من ولد الحسن. هكذا وجدت أساميهم مكتوبة على ساق العرش، فسألت الله تعالى عن ذلك، فقال: يا محمد، هم الأئمة بعدك مطهرون معصومون، وأعداؤهم ملعونون)) [كفاية الأثر، ص155].
وأما السؤال عن روايةٍ يصرِّح فيها الإمام علي (عليه السلام) عن علمه بالغيب، فجوابه:
أن علم أئمتنا (عليهم السلام) بالمغيّبات ليس بدعًا من القول، وليس علمًا مستقلًّا، وإنّما هو تعلّم من ذي علم، كما تشير إليه الآية الكريمة: ﵟعاَلِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍﵞ [الجن:26و27].
قال ابن حجر في " فتح الباري": ((وأمّا قوله تعالى (عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحدًا إلّا من ارتضى من رسول) .. الآية فيمكن أن يفسّر بما في حديث الطيالسي، وأمّا ما ثبت بنصّ القرآن أنَّ عيسى عليه السلام قال: إنّه يخبرهم بما يأكلون وما يدّخرون وأنَّ يوسف قال: إنَّه ينبئهم بتأويل الطعام قبل أن يأتي إلى غير ذلك ممّا ظهر من المعجزات والكرامات، فكلّ ذلك يمكن أن يستفاد من الاستثناء في قوله (إلّا من ارتضى من رسول) فإنّه يقتضي اطلاع الرسول على بعض الغيب، والولي التابع للرسول عن الرسول يأخذ، وبه يكرم، والفرق بينهما أنَّ الرسول يطّلع على ذلك بأنواع الوحي كلّها، والولي لا يطّلع على ذلك إلّا بمنامٍ أو إلهام، والله أعلم)). [فتح الباري، ج8، ص395].
فهنا نجد تفسير ابن حجر الواضح والصريح للآية الكريمة بأنّ الله عزّ وجل يمنح علم الغيب للرسول بواسطة الوحي، ويمنحه للولي أيضًا بواسطة المنام أو الإلهام.
ونعتقد نحن الشيعة الإمامية أنَّ أئمتنا (عليهم السلام) لا يعلمون الغيب بنحوٍ مستقلّ، لكنهم متى شاؤوا أن يعلموا شيئًا أعلمهم إياه الله عزّ وجل، دلّت على ذلك روايات كثيرة متضافرة في مجاميعنا الحديثية. [انظر: الوافي، للفيض الكاشاني، ج3، ص590، باب: أنّهم لا يعلمون الغيب إلّا أنّهم متى شاؤوا أن يعلموا أُعلموا].
جاء في "الكافي" بسنده عن عمّار الساباطي، قال: ((سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الإمام يعلم الغيب؟ فقال: لا. ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك)) [الكافي، ج1، ص257].
فهذا العلم بالغيب عند الأئمة (عليهم السلام) علمٌ يمنحه الله عز وجل للإمام فيما يتعلّق بوظائف إمامته، ولا يقتصر الإمامية على هذه الدعوى من علم أئمتهم ببعض المغيّبات، بل هي موجودة عند أهل السنّة أيضًا، فقد ثبت من مرويات أهل السنّة أنّ عمر بن الخطاب علِم الغيب، ونادى سارية بن زنيم الذي بعثه قائدًا على إحدى الجيوش لبلاد فارس، فناداه، وهو في المدينة: يا سارية الجبل، يا سارية الجبل، فاستند سارية إلى الجبل، وتحقّق لهم النصر على جيش الفرس. [انظر: البداية والنهاية، لابن كثير، ج7، ص147، قال: هذا إسناد جيد حسن ... ويقوِّي بعضه بعضًا، وسلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني، ج3، ص101].
وكذلك أخرج الألباني في "إرواء الغليل" حديث إخبار أبي بكر بما في بطن زوجته وأنّها أنثى، وصحّحه. [إرواء الغليل، ج6، ص61].
قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": ((وأما المعجزات التي لغير الأنبياء من "باب الكشف والعلم" فمثل قول عمر في قصة سارية، وإخبار أبي بكر بأنّ ببطن زوجته أنثى)) [مجموع الفتاوى، ج11، ص318].
نقول: فإذا ثبت هذا العلم بالغيب لغير الأنبياء، حسب ابن تيمية وابن كثير والألباني فهو يثبت لغيرهم، فحكم الأمثال فيما يجوز، ولا يجوز واحد من هذه الناحية.
والشيعة لا تدّعي ثبوت هذا العلم لأئمتهم (عليهم السلام) على نحو الاستقلال، وأنّه علم ذاتي لديهم مستقل عنه سبحانه أو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما يحاول البعض تسويقه بجهله، بل هم يقولون هو تعلّمٌ من ذي علم، كما هو الثابت عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) في "نهج البلاغة" في ردّه على الشخص الذي قال له: ((لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب؟ فضحك (عليه السلام) وقال للرجل ـ وكان كلبيًّا ـ: يا أخا كلب! ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم)) [نهج البلاغة، ج2، ص10].
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
