مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

عليٌّ (ع) لم يكن السبب في انقسام الأمة

السائل أبو داود النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 162 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

إنّ عليًّا كان أوّل من شهر سيفه على المسلمين، وترك قتال الكفار، وأوّل من كان سببًا في انقسام الأمة واختلافها.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

قولك: (إنّ عليًّا كان أوّل من شهر سيفه على المسلمين، وترك قتال الكفار).. هذا الكلام منك يعدّ طامة كبرى واقعًا، حيث لم تكن محاربة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) للناكثين والقاسطين والمارقين إلّا بأمرٍ من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال ابن حجر في "تلخيص الحبير" قوله: ((ثبت أنَّ أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة، هو كما قال، ويدلّ عليه حديث عليّ: «أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين»، رواه النسائي في الخصائص والبزار والطبراني)) [تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، لابن حجر العسقلاني، ج4، ص84].

وفي مجمع الزوائد للهيثمي، قال: ((رواه البزار والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد، ووثّقه ابن حبان)) [مجمع الزوائد للهيثمي، ج7، ص238].

وامّا قولك: (بأنَّ عليًّا أوّل من كان سبباً في انقسام الأمة واختلافها).. فهو من المغالطات الواضحة، إذ لم يكن السبب في انقسام الأمة ورفع البركة عنها إلّا تنازع الصحابة ومنعهم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة كتابه الذي أراد أن يكتبه قبل موته بأيام في تلك الحادثة التي كان يبكي ابن عباس حين يتذكرها، ويقول: ((إنَّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم)) [صحيح البخاري، ج5، ص138].

قال ابن حجر في "فتح الباري" ج8 ص 101 في سياق كلامه عن رزية يوم الخميس: ((قوله في الرواية الثانية: "فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم" ما يشعر بأن بعضهم كان مصممًا على الامتثال والرد على من امتنع منهم، ولما وقع منهم الاختلاف ارتفعت البركة كما جرت العادة بذلك عند وقوع التنازع والتشاجر)) [فتح الباري، ج8، ص101].

وقال: (("فاختلف أهل البيت" أي من كان في البيت من الصحابة، ولم يُرِدْ أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم)). [فتح الباري، ج8، ص103].

فاختلاف الصحابة في حضرة النبيّ الأقدس (صلى الله عليه وآله وسلم) هو سبب رفع البركة عن هذه الأمة وحصول المنازعات فيها، كما صرّح به ابن حجر، وليس أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، لكن التعصّب يُعمي، ويُصِمّ!

وقد تعترض، فتقول: إن مقتضى ما ذكرتموه أنَّ الصحابة منعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من كتابة كتابه الذي أراد أنّه لم يبلِّغ للأمة كلّ ما يجب عليه تبليغه.. وهذا خللٌ في نبوَّته ورسالته؟!!

فنجيب: لقد أجمع شُرّاح الصحاح والسُّنن على أنّ الكتاب الذي أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابته لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون في بيان جملةٍ من الشرائع، أو يكون للنصّ على الخليفة من بعده، وقد رجَّح أكثرهم الثاني، وذكروا جملةً من المؤيِّدات.

جاء في عمدة القاري في شرح صحيح البخاري ما نصُّه: ((واختلف العلماء في الكتاب الذي همّ صلى الله عليه وسلم بكتابته، قال الخطّابي: يحتمل وجهين، أحدهما: أراد أن ينصّ على الإمامة بعده، فترتفع تلك الفتن العظيمة كحرب الجمل وصفين، وقيل: أراد أن يبيِّن كتابًا فيه مهمات الأحكام ليحصل الاتفاق على المنصوص عليه)) [عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، ج2، ص171].

ومن الواضح جدًّا أنَّ الاحتمال الثاني واهٍ جدًّا؛ لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد بيّن أحكام الشريعة خلال مدّة 23 سنة من عمره الشريف وبأدّق التفاصيل، وهي مدّة عمر الرسالة كلها، فبأيّ وجهٍ يسرد لهم هذا الكمّ الهائل من البيانات والأحكام في مدّة قصيرة جدًّا، هي حالة احتضاره ومرضه الشديد الذي كان لا يقوى فيه حتّى على القيام للصلاة؟!

لا يمكن لعاقلٍ أن يقبل بالاحتمال الثاني مطلقًا، ويبقى الاحتمال الأوّل هو المقبول جدًّا.

لكنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا وجد المنع من الصحابة له وامتناعهم من تقديم الكتف والدواة ليكتب هذا الكتاب طردهم من غرفته، وقال لهم: ((قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع)) [صحيح البخاري، ج1، ص37]، تعويلًا منه على ما ذكره من بيانات وافية في موضوع الخلافة في يوم الغدير وغيره.

يقول الغزالي في "سرّ العالمين" حول تمامية الحجّة على الصحابة في يوم الغدير: ((لكن أسفرت الحجّة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث، من خطبته في يوم غدير خم، باتّفاق الجميع، وهو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه. فقال عمر: بخٍ بخٍ يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة. فهذا تسليمٌ ورضا وتحكيم، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار؛ سقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأوّل، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمنًا قليلًا)) [مجموعة رسائل الإمام الغزالي، كتاب سر العالمين، ص483].

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة