
لماذا فاطمة فقط؟ ولماذا عليّ فقط؟ ولماذا خديجة فقط؟ هل النبى لم يتزوج غير خديجة؟ وهل لم يكن للنبي ابن عم غير عليّ؟ حتى يكون هؤلاء الثلاثة دون من سواهم هم أصحاب المنزلة عند الشيعة
الجواب
بسمه تعالى
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
لا شك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يحبّ فاطمة (عليها السلام)، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها"، وثبت بالنقل المتواتر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يحبّ عليّاً، وانه كان يحب خديجة، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأُمّة مثله؛ لقوله: ﵟوَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَﵞ [الأعراف، آية:158]؛ ولقوله تعالى: ﵟفَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِﵞ [النّور، آية:63]؛ ولقوله: ﵟقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُﵞ [آل عمران:31]; ولقوله سبحانه: ﵟلَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌﵞ [الأحزاب، آية: 21].
أما لماذا فاطمة (عليها السلام)، فجوابه:
جاء في حديث صحيح، أخرجه أحمد بن حنبل في "فضائل الصحابة" [ج2، ص760]، والحاكم في المستدرك [ج3، ص205]، من حديث عائشة أنها قالت لفاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((ألا أبشرك، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخديجة بنت خويلد، وآسية)). وصححه الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة"، فقال: ((أخرجه الحاكم [ج3، ص185] وقال: "صحيح على شرط الشيخين". ووافقه الذهبي، وهو كما قالا)). [السلسلة الصحيحة، ج3، ص411، ح1425].
وحسبك من هذا الحديث ان تعرف أنّ عائشة هي بنفسها من بشّرت فاطمة الزهراء (عليها السلام) بسيادتها وسيادة أمها على نساء أهل الجنة.
وقال أبو العباس شهاب الدين القسطلاني في ارشاد الساري، قال: ((والذي يظهر تفضيل فاطمة لأنها بضعة منه -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ولا يعدل بضعته أحد)). [ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري، ج8، ص228].
وقال المناوي في فتح القدير [ج2، ص461]: ((قال جمع من السلف والخلف لا نعدل ببضعة المصطفى صلى الله عليه وسلم أحدا)).
وقال العلامة الألوسي في تفسيره روح المعاني، قال: ((ولعلمه صلى الله تعالى عليه وسلم أنها لا تبقى بعده زمنا معتدا به يمكن أخذ الدين منها فيه لم يقل فيها ذلك، ولو علم لربما قال: خذوا كل دينكم عن الزهراء)). [روح المعاني، ج2، ص150].
وقال أيضاً: ((والذي أميل إليه أن فاطمة البتول أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات من حيث إنها بضعة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم بل ومن حيثيات أخر أيضا، ولا يعكر على ذلك الأخبار السابقة لجواز أن يراد بها أفضلية غيرها غليها من بعض الجهات وبحيثية من الحيثيات- وبه يجمع بين الآثار- وهذا سائغ على القول بنبوة مريم أيضا إذ البضعية من روح الوجود وسيد كل موجود لا أراها تقابل بشيء وأين الثريا من يد المتناول، ومن هنا يعلم أفضليتها على عائشة)) [روح المعاني، ج2، ص150].
كما صرح السبكي عن اختياره بوضوح، فقال: ((الذي نختاره وندين الله به: أن فاطمة أفضل)). [اتحاف السائل بما لفاطمة من المناقب والفضائل، ص85].
وقال البلقيني في فتاويه: ((الذي نختاره أن فاطمة أفضل ثم خديجة ثم عائشة، للحديث الصحيح، وأنه قال لفاطمة: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء المؤمنين)) [سبل الهدى والرشاد، ج10، ص326].
وقال القمولي: ((قال شيخنا: الصّواب القطع بتفضيل فاطمة، وصحّحه السبكي، قال في الحلبيات: قال بعض من يعتد به، بأن عائشة أفضل من فاطمة وهذا قول من يرى أن أفضل الصحابة زوجاته، لأنهن معه في درجته في الجنة التي هي أعلى الدرجات وهو قول ساقط مردود وضعيف، لا سند له من نظر ولا نقل، والذي نختاره وندين الله تعالى به أن فاطمة أفضل، ثم خديجة، ثم عائشة، وبه جزم ابن المغربي في روضته)). [سبل الهدى والرشاد، ج11، ص161].
وقال الزركشي في الخادم عند قول الرّافعيّ والنّوويّ: «وتفضيل زوجاته- صلى الله عليه وسلم- على سائر النساء» ما نصّه: ((هل المراد نساء هذه الأمة أو النساء كلّهن؟ فيه خلاف، حكاه الروياني ويستثنى من الخلاف سيدتنا فاطمة، فهي أفضل نساء العالم، لقوله- صلى الله عليه وسلم-: «فاطمة بضعة مني» ولا يعدل ببضعة من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أحد، وفي الصحيح: "أما ترضين أن تكوني خير نساء هذه الأمّة")). [سبل الهدى والرشاد، ج11، ص163].
قال أبو حيان اثير الدين الاندلسي في تفسيره: ((قال بعض شيوخنا: والذي رأيت ممن اجتمعت عليه من العلماء، أنهم ينقلون عن أشياخهم: أن فاطمة أفضل النساء المتقدمات والمتأخرات لأنها بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم)). [البحر المحيط، ج3، ص147].
وأما لماذا عليّ (عليه السلام)، فجوابه:
روى النّسائي بإسناده عن جميع ـ وهو ابن عمير ـ: «دخلت مع أبي على عايشة يسألها من وراء الحجاب عن علّي رضي الله عنه فقالت: تسألني عن رجل ما اعلم احداً كان أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منه، ولا أحبّ إليه من امرأته».
وفي رواية أخرى قال: ««دخلت مع أمّي على عائشة وأنا غلام فذكرت لها عليّاً فقالت: ما رأيت رجلا أحبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منه ولا امرأةً احبّ إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من امرأته» [الخصائص، ص29. ورواه الخوارزمي في المناقب، ص37].
وبإسناده عن النّعمان بن بشير، قال: «استأذن أبو بكر على النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فسمع صوت عائشة عالياً وهي تقول: لقد علمت أنّ عليّاً أحبّ إليك منّي! فأهوى لها ليلطمها، وقال لها: يا بنت فلانة، أراك ترفعين صوتك على رسول الله؟ فأمسكه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وخرج أبو بكر مغضباً» [الخصائص، ص28، ورواه الهيثمي في مجمع الزّوائد، ج9، ص126، مع اختلاف يسير].
وبإسناده عن ابن بريدة قال: «جاء رجل إلى أبي فسأله: أيّ النّاس كان أحبّ إلى رسول الله؟ قال: من النّساء فاطمة، ومن الرّجال علّيّ» [الخصائص، ص29، ورواه الشنقيطي في كفاية الطّالب، ص38، وابن عساكر في ترجمة الإمام علّي ابن أبي طالب من تاريخ مدينة دمشق، ج2، ص163، رقم 641].
وأما لماذا خديجة (رضوان الله عليها)، فجوابه:
يُحتج لخيرية خديجة (عليها السلام) على نساء الأمة وأنها أفضلهن بما أخرجه البخاري في صحيحه عن عليٍ (عليه السلام) قال: سمعت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة)). [صحيح البخاري ـ كتاب أحاديث الاَنبياء].
قال القاضي أبو بكر بن العربي: ((خديجة أفضل نساء الاَمّة مطلقاً لهذا الحديث)) [فتح الباري، ج6، ص543]، وقال مؤكدا عدم الخلاف في افضليتها على عائشة بما نصه: ((لا خلاف في أنّ خديجة أفضل من عائشة)). [فتح الباري، ج7، ص173].
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح مستدلا بحدث البخاري على أن خديجة أفضل نساء الأمة بما نصه: ((دلّ هذا الحديث على أنّ مريم أفضل من آسية، وأنّ خديجة أفضل نساء هذه الاَمّة)). [فتح الباري، ج6، ص543]، وقال أيضاً: ((استدلّ بهذا الحديث على أنّ خديجة أفضل من عائشة. (([فتح الباري، ج7، ص168].
كما يُحتج – أيضاً - بأفضلية خديجة على عائشة بما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة، أنه قال: ((أتى جبريل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربّها ومنّي، وبشِّرها ببيت في الجنّة من قصب، لا صخب فيه ولا نصب)). [صحيح البخاري، ج5، ص39، ح3820، صحيح مسلم، ج4، ص1887، ح3432].
قال المناوي في الفيض: ((قال جمعٌ: هذا نصٌّ صريح في تفضيل خديجة على عائشة وغيرها من زوجاته صلى الله عليه وآله وسلم، لا يحتمل التأويل)). [فيض القدير، ج4، ص124]، وقال أيضاً: ((خديجة أفضل أُمّهات المؤمنين، قال الحافظ العراقي: على الصحيح المختار، وذكر نحوه ابن العماد وسبقهما السبكي)). [فيض القدير، ج3، ص431].
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: ((ومن صريح ما جاء في تفضيل خديجة ما أخرجه أبو داود والنسائي وصحّحه الحاكم من حديث ابن عبّاس، رفعه: أفضل نساء أهل الجنّة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمّد)). [فتح الباري، ج7، ص173].
وها هي عائشة تروي بنفسها ما يؤكد أفضلية السيدة خديجة عليها، فقد روي عنها أنها قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكاد يخرج من البيت حتّى يذكر خديجة فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الاَيّام فأدركتني الغيرة فقلت: هل كانت إلاّ عجوزاً! فقد أبدلك الله خيراً منها؛ فغضب حتّى اهتزّ مقدم شعره من الغضب ثمّ قال: لا والله ما أبدلني الله خيراً منها.. الحديث. [الاستيعاب في معرفة الاَصحاب، ج4، ص286 ـ 287، الاِصابة في تمييز الصحابة، ج4، ص283].
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
