
لماذا تتهمون عباد الله بأنهم أولاد زنا وأنهم منافقون لمجرد أنهم لا يحبون علياً رضي الله عنه أو أنهم حاربوه، فهم جميعهم من الصحابة وأمرنا بالكف عما شجر بينهم، ومثل هاته المسائل لا يبت بها الإ الشرع، فكيف ساغ لكم اتهام الناس بهذا الحكم الذي تنحصر رواياته في كافيكم المليء بالبدع، فاتقوا الله.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
إن كنت تدعي أن الشيعة الإمامية الإثنا عشرية تفردت بهذا الحكم على مبغض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأنت واهم، فهذا الحكم مروي في مصادر علماء أهل السُّنة، والروايات الواردة فيه كثيرة في العدد، وإليك شطراً منها:
جاء في أسنى المطالب للحفاظ الجزري، وشرح النهج لابن أبي الحديد، عن أبي سعيد الخدري، قال: ((كنا معشر الأنصار نبور [أي: نختبر] أولادنا بحبهم عليا رضي الله عنه، فإذا ولد فينا مولود فلم يحبه عرفنا أنه ليس منا)) [أسنى المطالب للحفاظ الجزري، ص8؛ وشرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج1، ص373].
وعن عبادة بن الصامت: ((كنا نبور [أي: نختبر] أولادنا بحب علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإذا رأينا أحدهم لا يحب عليا بن أبي طالب علمنا أنه ليس منا وأنه لغير رشدة)) [أسنى المطالب ص8، نهاية ابن الأثير، ج1، ص118].
وقال الحافظ الجزري بعد ذكر هذا الحديث: ((وهذا مشهور من قديم وإلى اليوم أنه ما يبغض عليا رضي الله عنه إلا ولد الزنا)). [أسنى المطالب، ص8].
وأخرج الحافظ الحسن بن علي العدوي قال حدثنا أحمد بن عبدة الضبي عن أبي عيينة عن إبن الزبير عن جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نعرض أولادنا على حب علي بن أبي طالب. رجاله رجال الصحيحين كلهم ثقات.
وأخرج الحافظ ابن مردويه عن أحمد بن محمد النيسابوري عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أحمد قال سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: قال أنس بن مالك: ما كنا نعرف الرجل لغير أبيه إلا ببغض علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وأخرج ابن مردويه عن أنس في حديث: كان الرجل من بعد يوم خيبر يحمل ولده على عاتقه ثم يقف على طريق عليّ رضي الله عنه فإذا نظر إليه أومأ بإصبعه: يا بني تحب هذا الرجل؟! فإن قال: نعم. قبله. وإن قال: لا، خرق به الأرض وقال له: إلحق بأمك.
وأخرج الحافظ الطبري في كتاب الولاية بإسناده عن علي عليه السلام أنه قال: ((لا يحبني ثلاثة: ولد الزنا. ومنافق. ورجل حملت به أمه في بعض حيضها)).
وأخرج الحافظ الدارقطني وشيخ الإسلام الحموي في فرائده بإسنادهما عن أنس مرفوعا قال: ((إذا كان يوم القيامة نصب لي منبر ثم ينادي مناد من بطنان العرش: أين محمد! فأجيب: فيقال لي: إرق. فأكون أعلاه ثم ينادي الثانية: أين علي! فيكون دوني بمرقاة فيعلم جميع الخلائق أن محمدا سيد المرسلين وأن عليا سيد المؤمنين: قال أنس: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله: من يبغض عليا بعد؟! فقال: يا أخا الأنصار لا يبغضه من قريش إلا سفحي، ولا من الأنصار إلا يهودي، ولا من العرب إلا دعي، ولا من سائر الناس إلا شقي)).
وفي الرياض النضرة، عن أبي بكر قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله خيم خيمة وهو متكئ على قوس عربية وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين فقال: معشر المسلمين! أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة، حرب لمن حاربهم، ولي لمن والاهم، لا يحبهم إلا سعيد الجد طيب المولد، ولا يبغضهم إلا شقي الجد رديء المولد)). [الرياض النضرة، للحافظ محب الدين الطبري، ج2، ص189].
وفي شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي، عن أبي مريم الأنصاري عن عليّ عليه السلام قال: ((لا يحبني كافر ولا ولد زنا)). [شرح إبن أبي الحديد، ج1، ص373].
وأخرج إبن عدي والبيهقي وأبو الشيخ والديلمي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: من لم يعرف عترتي والأنصار والعرب فهو لإحدى الثلاث: إما منافق. وإما ولد زانية. وإما امرؤ حملت به أمه في غير طهر. [الصواعق لابن حجر ص 103، 139، الفصول المهمة 11، الشرف المؤبد ص 103 وليس فيه كلمة: والعرب]
وروى المسعودي في (مروج الذهب) ج 2 ص 51 عن كتاب الأخبار لأبي الحسن علي بن محمد بن سليمان النوفلي بإسناده عن العباس بن عبد المطلب قال: ((كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله إذا أقبل علي بن أبي طالب فلما رآه أسفر في وجهه فقلت: يا رسول الله! إنك لتسفر في وجه هذا الغلام. فقال: يا عم رسول الله والله لله أشد حبا له مني، ولم يكن نبي إلا وذريته الباقية بعده من صلبه وإن ذريتي بعدي من صلب هذا، إنه إذا كان يوم القيامة دعا الناس بأسمائهم وأسماء أمهاتهم إلا هذا وشيعته فإنهم يدعون بأسمائهم وأسماء آبائهم لصحة ولادتهم)). [مروج الذهب، ج2، ص51].
وعن ابن عباس قال: ((قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: رأيت النبي صلى الله عليه وآله عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه فقلت: ومن هذا الذي يلعنه رسول الله؟! قال: هذا الشيطان الرجيم. فقلت: والله يا عدو الله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك. قال: والله ما هذا جزائي منك. قلت: وما جزاؤك مني يا عدو الله؟! قال: والله ما أبغضك أحد قط إلا شركت أباه في رحم أمه)). [أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخه، ج2، ص290، والكنجي في الكفاية، ص21، عن أربع من مشايخه].
وروى شيخ الإسلام الحموي في فرائده في الباب الثاني والعشرين من طريق أبي الحسن الواحدي بإسناده، والزرندي في (نظم درر السمطين) عن الربيع بن سلمان قال: ((قيل للشافعي: إن قوما لا يصبرون على سماع فضيلة لأهل البيت فإذا أراد أحد يذكرها يقولون: هذا رافضي قال: فأنشأ الشافعي يقول:
إذا في مجلس ذكروا عليا *** وسبطيه وفاطمة الزكية
فأجرى بعضهم ذكرى سواهم *** فأيقن أنه لسلقلقية
إذا ذكروا عليا أو بنيه *** تشاغل الروايات الدنية
وقال: تجاوزا يا قوم! هذا *** فهذا من حديث الرافضية
برئت إلى المهيمن من أناس *** يرون الرفض حب الفاطمية
على آل الرسول صلاة ربي *** ولعنته لتلك الجاهلية
وقد نظم هذه الآثار كثير من الشعراء قديما وحديثا يضيق المجال بذكر شعرهم، ومنه قول الصاحب إبن عباد:
بحب عليّ تزول الشكوك *** وتصفو النفوس ويزكو النجار
فمهما رأيت محبا له *** فثم العلاء وثم الفخار
ومهما رأيت بغيضا له *** ففي أصله نسب مستعار
فمهد على نصبه عذره *** فحيطان دار أبيه قصار. انتهى [راجع فيما ذكرنا آنفاً كتاب الغدير للعلامة الأميني ج4 ص322].
وأنت كما ترى فهذه روايات سنية تصرح بأن مبغض عليّ (عليه السلام)، هو ابن زنا، كما روى مسلم في صحيحه أن مبغض عليّ منافق، فقد روى في صحيحه عن عليّ (عليه السلام) أنه قال: ((والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم إلي: أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق)) [صحيح مسلم، ج1، ص86].
فالحب يقابله البغض، والحرب من أبرز مصاديق البغض، فالحكم ينطبق على المبغض غير المحارب لعليّ (عليه السلام)، فضلاً عن المحارب له.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
