
قول الله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [الزُّخْرُفُ 83]، وقوله: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [المَعَارِجُ 42] نرى التكرار بوضوح بين آيتين من سورتين مختلفتين، وكذلك قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يُونُسُ 48]، حيث تكررت هذه الآية في خمس سور بنفس اللفظ: الأَنْبِيَاءُ 38 - النَّمْلُ 71 - سَبَأ 29 - يس 48 - المُلْكُ 25. أليس هذا التكرار مخل في البلاغة.
الجواب
تحية طيبة.
قبل كل شيء علينا أن نعرف المراد من التكرار في الاصطلاح:
يقول الراغب في "التعريفات" بأنه: ((عبارة عن الإتيان بشيء مرة بعد أخرى)) [التعريفات 1: 113].
وعن ابن الأثير في "المثل السائر": ((هو دلالة اللفظ على المعنى مرددا، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع. فإن المعنى مردد، واللفظ واحد)) [المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر 2: 159].
إذا عرفنا ذلك نسأل الآن: هل جاء التكرار بهذا الشكل في لغة العرب، وهي اللغة التي نزل ببيانها القرآن الكريم، قال تعالى: ﵟإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّاﵞ [يوسف: 2] ؟!
يقول السيوطي في "المزهر في علوم اللغة وأنواعها": ((من سنن العرب: التكرير والإعادة إرادة الإبلاغ بحسب العناية بالأمر. قال الحارث بن عباد:
قربا مربط النعامة مني ** لقحت حرب وائل عن حيال.
فكرر قوله: "قربا مربط النعامة مني" في رؤوس أبيات كثيرة عناية بالأمر، وإرادة الإبلاغ في التنبيه والتحذير)). انتهى. [المزهر في علوم اللغة 1: 332].
وجاء عن ابن فارس في "الصاحبي في فقه اللغة" قوله: ((ومن سنن العرب: التكرار والإعادة إرادة الإبلاغ بحسب العناية بالأمر والموقف الخطابي)). انتهى [الصاحبي في فقه اللغة 1: 127].
وجاء عن ابن جني في كتابه "الخصائص": ((اعلم أن العرب إذا أرادت المعنى مكنته، واحتاطت له، فمن ذلك التوكيد، وهو على ضربين:
أحدهما: تكرير الأول بلفظه، وهو نحو: قام زيد قام زيد، وضربت زيدا ضربت، وقد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، والله أكبر الله أكبر.
والثاني: تكرير الأول بمعناه، وهو على ضربين: أحدهما للإحاطة والعموم، والآخر للتثبيت والتمكين)). انتهى. [الخصائص: 90].
إذن تبين لنا من كلمات أهل الاختصاص في اللغة والبلاغة أن التكرار ليس مخلا بالبلاغة مطلقا، بل هو من سنن العرب وعاداتهم في الكلام إذا أرادوا تمكين المعنى والعناية بالأمر.. وبهذه اللغة وطرقها البلاغية وسننها جاء القرآن الكريم، فالتكرار جزء لا يتجزأ من بلاغة العرب، والإتيان به لأهداف وأغراض بيانية جائز، بل يجب في بعض الأحيان.
ودمتم سالمين.
