
لماذا يصدِّق الناسُ الكذبة التي لا دليل عليها؟ فبعض الناس يصدِّقون أنّ المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني قد توفِّي منذ زمن، وأنّ الذي يظهر في الصور الملتقَطة هو شخص يرتدي قناعًا لإيهام الناس بأنه حيٌّ يُرزق؟!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
معلومٌ أن الحق دائمًا يكون هدفًا واضحًا لأولئك الذين يتبنَّون الباطل، الذين ينتهجون جميع الوسائل الممكنة، ويتخذون مختلف السُّبل الاجتماعية للإيقاع به والنيل منه وإسقاط مكانته، بغضِّ النظر عن عدد أتباعه ووضوح مكانته، فهو يظلُّ عرضةً لحملات التشويه والهجمات، وكلما ارتفعتْ مكانتُه، وتألَّق مقامُه، زادتْ حملات التشويه والمؤامرات ضدّه، حيث يتسارع الهجوم، ويتصاعد التأثير الاجتماعي.
ووجود المرجعية الدينية العليا بين ظهرانينا في الواقع هو مبدِّدٌ لوجود أهل الباطل، كضوء الشمس الذي يبدِّد ظلام الليل؛ لهذا وغيره تُطلق الدعاوى المضلِّلة، وتثار الشبهات المغرضة، وتروَّج الشائعات الكاذبة..
فمنذ أن تحقَّق الانتصار بالفتوى المباركة التي أسست جيشًا متكاملًا ومتماسكًا ومدجَّجًا بالعقيدة والولاء فضلًا عن السلاح، في مدةٍ زمنية وجيزة، فاقتْ حدّ التوقع، دخلتْ على أثر ذلك العصابات الإرهابية بكلِّ تفرُّعاتها وأجهزتها الاستخبارية في حالةٍ من الصدمة والشلل المستدام.. ومن المؤكَّد أنها أعادتِ النظر في هيكلة قواعدها من جديد، وحدَّدتِ الهدف الذي كان ينبغي معرفته مسبقًا، وهو استهداف نقطة التماسك بين المرجعية الدينية العليا وأتباعها.
لقد أدرك الداعمون للإرهاب في الداخل والخارج أنّ قوة الارتباط الفريدة هذه - أي ارتباط الشيعة بمرجعيَّتها الدينية – كانت وما زالتِ السبب الرئيسَ وراء هزيمتِهم وإفساد مخطَّطاتهم، ونتيجةً لذلك فقد توسَّل الداعمون للتنظيم الإرهابيّ بأسلوب الحرب الناعمة للحصول على النتائج والأهداف المتوخّاة بدون الاضطرار إلى الاستعمال المفرط للعوامل والوسائل العسكرية، فقاموا بتغيير مخطَّطاتهم بعد أن باءتْ بالفشل، واستعدوا للهجوم مجددًا، ولكنَّ الهجوم هذه المرة كان على نقاط التماسك بين المرجعية الدينية وأتباعها من الشيعة، وقامت بتوجيه أذنابها وتحريك مرتزقتها من الخارج والداخل نحو طلّاب العلوم الدينية في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، محاوِلةً استهدافَهم وإسقاطهم من كونهم مثالًا يُقتدى به في المجتمع، بهدف زرع الشكوك والتقليل من تأثيرهم الإيجابيّ في عيون المجتمع نفسه، وهو معنى إسقاط القدوة الصالحة في المجتمع، لإنشاء جيلٍ يلتمس القدوة في التافهين وذوي السخافة والبذاءة، كالمُتمرجعين وأَدْعياء العلم ومن لفَّ لفَّهم.
فدعوى (أنّ المرجع الأعلى آية الله العظمى السيد السيستاني (دام ظله) قد تُوفِّي منذ زمن، وأن الذي يظهر في الصور الملتقَطة هو شخصٌ يرتدي قناعًا لإيهام الناس بأنه حيٌّ يُرزق)، تهدف إلى خلق الفوضى وتضليل الرأي العام، وتصديقُها من قِبَل بعض السَّذَجة من الناس هو النتيجة المتوخّاة للحرب الناعمة التي يعمل عليها الفكر الإرهابي المتطرِّف.
وثمة أسبابٌ كثيرةٌ تُفسِّر: لماذا يصدِّق الناسُ الكذبَ أحيانًا؟ أو لماذا يصدِّقون الشائعات حتى من دون وجود دليلٍ يدعمها؟ ومن هذه الأسباب أنهم:
1 – يصدِّقون الكذب؛ لأنهم يميلون إلى ملء الفراغ بالتصديق فيما يُقال لهم؛ لأن التصديق به سهل المؤونة، في حين يتململون من التثبُّت مع وجود وسائل متاحة للتحقُّق من المعلومات.
2 – يصدِّقون الكذب بسبب التأثير الاجتماعي، فالضغط الاجتماعي له أثره الكبير على كيفية استجابة الناس للمعلومات، وفي بعض الحالات يمكن أنْ تؤدي الرغبة في التكيُّف مع الآخرين أو تجنب الخروج عن السائد إلى قبول المعلومات دون التحقق الدقيق.
3 – يصدِّقون الكذب لكون المعلومات المضلِّلة مرتبطةً بمشاعرهم أو عواطفهم، مما يجعلهم يميلون إلى تصديقها دون التأكد من صحتها. فقد يلجأ بعض الناس إلى تجنب الحقائق إذا كانت تتعارض مع مشاعرهم أو قِيَمهم الشخصية. والانتماءُ العاطفيّ إلى فكرةٍ معينة أو مجموعةٍ قد يؤثر على استمرار انتمائهم.
4 – يصدِّقون الكذب؛ لأنهم يُعرّضون أنفسهم للإنصات إلى من يفتري هذا الكذب على نحو التكرار، ومعلومٌ أن تكرار الرسائل يؤدي إلى تعزيز قبولها، وإن كانت غير صحيحة، فيصبحون أكثر تأثُّرًا بها على المدى الطويل.
5 – يصدِّقون الكذب لثقتهم السابقة والمفرطة بالمصدر، الأمر الذي يؤدي بالنتيجة إلى قبول المعلومات التي تأتي منه دون التحقق من صحتها.
6 – يصدِّقون الكذب؛ لأن مصالحهم الشخصية تقتضي ذلك، ففي بعض الحالات، يصدق الناس المعلومات الكاذبة أو الخاطئة؛ لأنها تخدم مصالحهم الشخصية أو المعتقدات التي يتمسَّكون بها.
فهذه العوامل تُفسّر لماذا يمكن للناس أحيانًا أن يصدقوا الكذب؟ حتى في غياب الأدلة على الإثبات.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
