
إذا كانت الإرادة في (يريد الله ليذهب عنكم الرجس) كونيةً حتمية فلماذا يدعو النبي لهم بها! هذا لغو منزَّهٌ عنه النبي.!!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
عند إنعام النظر في القرآن الكريم تجد العديد من آياته الشريفة قد تضمنت نوعين من الإرادة، وهما:
الإرادة التكوينية: وهي التي يقول عنها الله عز وجل: ﵟإِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُﵞ [النحل:40]، فقد أراد الله سبحانه أن يَخلق الإنسان فخُلق، وأراد أن يَخلُق الأرض والسماء فخُلقتا، وما أراده سبحانه بهذه الإرادة يستحيل أن يتخلف عن إرادته، أي أنّ الله تعالى حينما يُريد لشيءٍ ما أن يُخلق، فإنّ ذلك الشيء يُخلق بمجرد إرادته سبحانه لخلقه.
الإرادة التشريعية: وهي إرادةٌ راجعة إلى التشريعات والأحكام، وتعني ما يريده الله تبارك وتعالى من تشريعاتٍ وأحكام، كإرادته عز وجل من كل الناس أن يتركوا الخمر، ويتركوا الميسر، وأن يقيموا الصلاة ويُؤتوا الزكاة.. لكنه أعطاهم الاختيار والقدرة.
ومنه يُعلم، أنّ الواجبَ على الإنسان في الإرادة التشريعيّة الالتزامُ بأحكام الحلال والحرام والدين بنحوٍ عامّ، ولكنّه في الإرادة التكوينيّة لا يستطيع أن يخرج في أفعاله وأعماله عن دائرتها؛ لأنّ تصرّفاته كافّة وتقلّباته في عالم الوجود تكون بالقدرة والإمكانيّة التي تعطى له من جانب الله جلّ وعلا.
والإرادةُ في قوله تعالى: ﵟإِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًاﵞ [الأحزاب:33]، هي إرادةٌ تكوينيّة لا تشريعيّة؛ وذلك لما يأتي:
عدم إمكان تصوُّر إرادةٍ تشريعيّة من دون أنْ تكون هناك تشريعاتٌ معيَّنة يتحقَّق بها المراد التشريعي، فمِن غير المعقول التصريحُ بالإرادة التشريعيّة مع خلوِّ المقام من ذكر التشريعات التي تفضي إلى تحقّق المراد التشريعي، وخيرُ مثالٍ على ذلك قوله تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْﵞ [المائدة:6].
فالإرادة في هذه الآية الكريمة إرادةٌ تشريعيّة؛ إذ جاءت فيها عدّةُ تشريعات كالغُسل والوضوء والتيمُّم ونحو ذلك، فهي تهدف إلى طهارة الناس من الحدث والخبث، ومن دون شكّ أنّ هذا الأمر سيمتثلُ له بعضهم، ويعرض عنه آخرون.
إذًا، لو كانت الإرادةُ في آية التطهير تشريعيّةً لذُكرتْ تلك التشريعات، إلّا أنّ واقع الحال ـ كما ترى وتشاهد - أنّها تخلو من ذكر التشريعات.
ثم إنّ اختصاص الإرادة التشريعيّة بالتطهير من الذنوب لا وجه لحصرها بهؤلاء المعنيّين في الآية؛ لأنّ جميع التشريعات ترتبط أساسًا بتطهير الناس وتزكيتهم سواء بسواء، أي أن الأحكام والتشريعات عامّة تعم جميع المكلّفين.
وعليه، فلا بدّ أنْ تكون الإرادة تكوينيّةً بحيث لا يمكن أنْ يتخلّف المراد عمّا تعلّقت به إرادة الله سبحانه وتعالى، ولكنْ ليس بذلك المعنى الذي يستلزم القولَ بالجبر وأنّ أهل البيت (عليهم السلام) مجبَرون بالعصمة، بل المراد أن الأئمة (عليهم السلام) كالأنبياء (عليهم السلام).
وعليه تكون الإرادة في الآية إرادةً تكوينيّة. وتعلّق الاِرادة الإلَهيّة التكوينيّة بعصمة أهل البيت (عليهم السلام) لا توجبُ سَلب الاختيار والحريّة عنهم تمامًا كما لا يوجب تعلّقها بعصمة الأنبياء سلبَ الاختيار والحرية عن الأنبياء أيضًا.
وأما قولك: (فلماذا يدعو النبي لهم بها! هذا لغو منزه عنه النبي)!
فجوابه: بلا شك أنك وكل مسلم لا ينكر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقرأ سورة الفاتحة في جميع صلواته، وفيها قوله تعالى: ﵟاهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَﵞ [الفاتحة:6]، فهل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن مهتديًا عندما يقرأ قوله تعالى هذا، ويطلب من الله أن يهديه، أم هو لغو، وهو منزه عنه؟!
فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، من دعائه، لمّا جمع عليًّا وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وألقى عليهم كساءً، وقال: ((اللهمّ هؤلاء أهل بيتي فأذهبْ عنهم الرجس، وطهّرهم تطهيرًا)) [سنن الترمذي، ج5، ص352، تـ. شاكر]، كان يسعى إلى تحديد وتوضيح من هم أهل بيته الذين يريد الله تطهيرهم من الرجس.
ولو افترضنا أن الإرادة في الآية تشريعية لا تكوينية، فيكون معنى دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم اجعل أهل بيتي مشمولين بأمرك ونهيك، وأبعدهم عن الآثار السلبية للنواهي بتشريع النهي وفرضه عليهم». أ وَليس آيات التكليف من أوامر ونواهٍ متوجهة بالأصل بالخطاب والتكليف لهم ولغيرهم حتى يأتيَ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتوجه بالدعاء لله سبحانه وتعالى أنْ: إلهي اشمل أهل البيت بهذه التكاليف؟! أ ليس هذا هو الفرض على القول بالإرادة التشريعية؟ [يُنظر: الفرقة الناجية، سلطان الواعظين، ص150] .
إذًا، لو كانت الإرادة في آية التطهير تشريعية لكان دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل بيته (عليهم السلام)، لغوًا، وهو منزه عنه.
فبماذا سيجيب المستشكل؟!
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم رلاعلى سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
