
أهل السُّنّة والجماعة يصلّون نافلة رمضان جماعةً، والتي تعرف بصلاة التراويح، والشيعة الإمامية يصلّونها فرادى؛ لأنّهم يقولون: إنّها لم تشرَّع جماعةً، فكيف نُثبت ما عليه الشيعة الإمامية بأدلةٍ لا يماري فيها الخصم، وما الأدلةُ التي تثبت بِدْعيَّة صلاة التراويح؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
قبل كلّ شيء علينا أنْ نعرف أنّ الأصل في العبادات هو التوقيف والمنع دون الجواز، بمعنى: أنّ أيّ شيءٍ يرتبط بالأمور العباديّة - كالصلاة والصيام - من حيث ثبوتها أو صفتها أو شرائطها لا بدّ من وجود دليلٍ يدلّ عليه من الشرع، وإلا كان الإتيان به محرَّمًا وممنوعًا؛ والنكتة في ذلك أنّ العبادات موقوفةٌ على بيان الشرع وترخيصه، ولا يحقّ لأيّ شخصٍ أن يشرّع شيئًا من عنده في الأمور العبادية .. وهذا أصلٌ متفقٌ عليه بين المسلمين جميعًا، ولا مجال للجدل فيه.
قال ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى": ((تصرفات العبادات من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعبادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أنّ العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع ...ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إنّ الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﵟأَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهﵞ [الشورى:21])) [مجموع الفتاوى، ج16، ص29].
فإذا عرفنا أنّ الجماعة هي من أوكد الطاعات والعبادات باصطلاح أهل العلم، بل جعلها بعضُهم من شرائط صحة الصلاة، بمعنى أن تركها من غير عذرٍ مبطلٌ للصلاة.. يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ((وأمّا الأحاديث فوجوب الجماعة فيها ظاهرٌ، فمَن ترك الصلاة مع الجماعة فهو آثم، بل قال بعض العلماء: إنّ من ترك الصلاة مع الجماعة بلا عذر فصلاته باطلة، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية)) [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ العثيمين، مسألة: 927].
ومن هنا نسأل الآن: هل شرّع المولى سبحانه وتعالى لنا صلاة نافلة رمضان جماعة.. أي هل جاء بها نص قرآنيّ أو نبويّ بأن تصلى نافلة رمضان جماعةً، أو ثبت أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد صلاها جماعة، ولو مرةً واحدة، حتى نثبت مشروعيَّتها من فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بحيث تترتب عليها أحكام الجماعة الموجودة في الصلاة المكتوبة من حيث الأجر والثواب أو الصحة والبطلان ؟؟!!
يُجيبنا علماء أهل السُّنة أنفسهم على هذا السؤال:
قال القسطلاني في "إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري" عند بلوغه إلى قول عمر في قوله (نعمت البدعة هذه): ((سمّاها بدعة؛ لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يَسنّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق. ولا أوّل الليل، ولا هذا العدد)) [إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري، ج5، ص4].
وجاء عن العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": ((وإنما دعاها بدعة؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم يَسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر، ولا رغب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيها)) [عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ج6، ص126].
وعن ابن الجوزي في "كشف المشكل من أحاديث الصحيحين": ((وقوله نعمت البدعة، البدعة فعل شيء لا على مثال تقدم فسمّاها بدعة؛ لأنّها لم تكن في زمن رسول الله على تلك الصفة ولا في زمن أبي بكر)) [كشف المشكل من أحاديث الصحيحين، ج4، ص116].
وعن ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث"، مادة "بدع" قال: ((..لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يَسنَّها لهم، وإنّما صلاها ليالي، ثمّ تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنّما عمر جمع الناس عليها، وندبهم إليها)) [النهاية في غريب الحديث، ج1، ص107، مادة "بدع"].
وجاء عن ابن شحنة حين ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 33 من تاريخه "روضة المناظر" قوله: ((هو أول من نهى عن بيع أمهات الأولاد، وجمع الناس على أربع تكبيرات في صلاة الجنائز، وأول من جمع الناس على إمامٍ يصلي بهم التراويح)) [روضة المناظر، لابن شحنة، ج11، ص122، مطبوع بهامش تأريخ ابن الأثير].
وعن ابن سعد في "الطبقات"، قال في ترجمة عمر: ((هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة..)) [الطبقات، لابن سعد، ج3، ص218].
إذن .. بشهادة علماء أهل السُّنّة والجماعة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسنّ نافلة رمضان أن تُصلى جماعة، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يصلِّها جماعة ولو مرةً واحدة، بل وجدنا الدليل قد جاءنا على خلاف ذلك، فقد روى البخاري في صحيحه، قال: ((حدثنا عبد الأعلى بن حماد، قال: حدثنا وهيب، قال: حدثنا موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر عن يسر بن سعيد عن زيد بن ثابت أنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) اتخذ حجرة، قال: حسبت أنّه قال من حصير في رمضان، فصلّى فيها ليالي، فصلّى بصلاته ناسٌ من أصحابه، فلما علم بهم جعل يقعد، فخرج إليهم، فقال: قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلّوا أيّها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة)) [صحيح البخاري، ج1، ص186، كتاب الصلاة، باب صلاة الليل].
قال الشوكاني في "نيل الأوطار": (("جعل يقعد" أي يصلّي من قعود؛ لئلا يراه الناس، فيأتموا به)) [نيل الأوطار، ج3، ص179].
ثم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم، فصلّوا أيّها الناس في بيوتكم، فإنّ أفضل صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة)).. واضحُ الدلالة في عدم مسنونية الجماعة في نافلة شهر رمضان.
وها هو ابن عمر يصف من يصلي صلاة التراويح بأنّه كالحمار، فقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه"، قال: حدثنا وكيع (وهو ثقة حافظ عابد) عن سفيان (الثوري (إمام ثقة) عن منصور (وهو ابن المعتمر، ثقة، ثبت، لا يدلس كما يقول ابن حجر) عن مجاهد (أحد الأئمة الثقات) قال: ((سأل رجل ابن عمر: أقوم خلف الإمام في شهر رمضان؟ فقال: تنصت كأنّك حمار؟)) [مصنف ابن أبي شيبة، ج2، ص288].
وفي طريق عبد الرزاق، وهو صحيح أيضًا: ((.. عن مجاهد، قال: جاء رجل إلى ابن عمر، قال: أصلّي خلف الإمام في رمضان؟ قال: أ تقرأ القرآن؟ قال: نعم، قال: أ فتنصت كأنّك حمار؟ صلّ في بيتك)) [مصنف عبد الرزاق، ج4، ص263-264، حديث رقم 7742].
فلو كانت صلاة نافلة شهر رمضان جماعة هي المسنونة والمشروعة، لما كان ذلك يفوت ابن عمر، ويقول للشخص: إنّك مع امتثالك للسنّة النبوية تكون كالحمار!
وها هو عمر بن الخطاب نفسه يصرح بوضوحٍ قائلاً: (نِعمت البدعةُ هذه) فهل قوله هذا يثبت مشروعية صلاة التراويح، مع أنّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): ((كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار))؟!
لنترك الجواب للشيخ الألباني الذي قال في "سلسلة الأحاديث الضعيفة": ((وإنّ من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس... على أنّ في الدين بدعة حسنة، وأنّ الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها!!)) [سلسلة الأحاديث الضعيفة، ج2، ص17].
وإن شغبْنا على أحدهم هنا في تمامية أدلة أداء نافلة شهر رمضان جماعة، فنقول:
لقد ثبت عند علمائكم أنّ مشروعيَّتها في البيت فرادى أفضل من أدائها في المسجد جماعة، بهذا صرّح مالك وأبو يوسفَ وبعض الشافعية حين قالوا:
((إنَّ فعلَها «الصلاةَ ليلاً في رمضانَ» فرادى في البيت أفضلُ، لحديثِ: خيرُ صلاةِ المرءِ في بيتِهِ إلاّ الصلاةَ المكتوبة)) [يُنظر: صحيح مسلم بشرح النووي، ج6، ص39، وفتح الباري للعسقلاني، ج4، ص252].
وعن ابن قدامة في "المغني" قال: ((والتطوعُ في البيتِ أفضلُ لقولِ رسولِ الله صَلّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ: عَليكُم بالصلاةِ في بيوتِكُم؛ فإنَّ خيرَ صلاةِ المرءِ في بيتِهِ إلا المكتوبة، رواه مسلم، وعن زيد بن ثابت أنَّ النبيَّ صَلّى اللهُ عَليهِ وسلَّمَ قالَ: صلاةُ المرءِ في بيتِهِ أفضلُ من صلاتِهِ في مسجدي هذا إلّا المكتوبة، رواه أبو داود)) [المغني، ج1، ص775].
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
