مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

سلالةُ الإنسان بين النصِّ الشرعيِّ والحمض النوويّ

السائل د. سامر العلوي النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 369 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

أنا لا أجد من المقبول اليوم الاستمرار في ترويج فكرة أنّ الإنسانَ انحدر من سلالةٍ واحدةٍ تبدأ بآدم، وكأنّ البشريّة كلّها خرجت من شخصٍ خُلِق من طينٍ قبل بضعة آلافٍ من السنين. هذا التصوّر ـ مع احترامي لمن يتمسّك به ـ لا ينسجم مع ما كشَفه العلمُ الحديث من معطيات جينيّة دقيقة. فالدراسات الجينوميّة الأخيرة بيّنتْ أنّ الإنسان العاقل لم يتكوّن من أصلٍ واحدٍ، بل هو نتاج تداخلٍ جينيّ بين مجموعتين بشريَّتين قديمتين، كانتا منفصلتَين منذ أكثر من مليون سنة، ثم حصل التزاوج بينهما لاحقًا، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في الجينوم البشريّ الحالي، حيث تُشير البيانات إلى أنّ حوالي 20% من مادته الوراثيّة لا تعود إلى سلالة الإنسان العاقل المعروف، بل إلى مجموعةٍ بشريّة أخرى. إذًا، نحن أمام شبكةٍ معقَّدة من الأنساب البشريّة، لا خطٍّ واحد كما يروَّج. فكيف يمكن الاستمرار في ترويج سرديّة "النفس الواحدة" في ظلِّ هذا التحوّل المعرفي الجذريّ؟ فمن الإنصاف مراجعة هذه الموروثات على ضوء ما توصّل إليه العلم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمينَ، وصلى اللهُ على محمدٍ وآله الطاهرين، سُلالة النبوّة، ومعدن الرسالة، وموضع العلم، ومهبط الوحي، الذين قرنَهم اللهُ بكتابه، وجعلهم سفن النجاة في بحار الفِتن، وأمناءه على سرِّه، ومظهر حكمته.

لا يخفى أنّ البحث في منشأ الإنسان من جهة التحليل الجينيّ بحثٌ تخصُّصيٌّ من شؤون أهله، وقد يُورَد على كلامنا: أنّه خارجٌ عن دائرة اختصاصنا.

لكنّا نقول: لن نتصدّى له من جهةٍ فنيّة أو مختبريّة، بل نتصدّى له بعد مراجعةِ ما صدر في هذا الباب من دراساتٍ، وقد تناولناه من جهةِ اختصاصنا، وهي جهة العقيدة، فدرَسْنا المدّعى في ضوء محكَمات الكتاب، ومسلَّمات العقل، وأصول الدين، بما يناسب الصناعة الكلاميّة، وبما يكشف ما يترتّب على هذه الدعوى من لوازمَ باطلة، فلا يتوجَّه علينا النقضُ من جهة التخصُّص.

ومن هنا نقول: إنّ ما ذُكِر في هذا الاعتراض من التشكيك في أصل انتساب البشريّة إلى نفسٍ واحدة، وادّعاء تفرُّع الإنسان المعاصر عن تزاوجٍ شبكيّ بين جماعتَين بشريَّتين مستقلّتين، بزعم انفصالهما قبل مليون سَنة، فمردودٌ من جهة النقل والعقل، بل هو دعوى خارجةٌ عن مقتضى الصناعة العلميّة، ومفتقرة إلى ما يورث الوثوق، فضلًا عن إفادة اليقين.

وبيان ذلك: أنّ دعوى تعدّد السلالة، وكون الإنسان العاقل المعاصر ناتجًا عن امتزاجٍ جينيٍّ بين جماعتَين بشريَّتين قديمتين، إنّما تُستفاد – في أحسن تقاديرها – من مخرَجات تحليل تسلسلات جينيّةٍ لبعض الجماجم القديمة، وهي مخرَجات تعتمد على نماذج إحصائيّة، مبنيّة على فرضيات تحليليّة مسبقة، وليس فيها ما يدلّ على وجود "نوع مستقلّ" خارج الإنسان المعروف، وإنّما أقصى ما تُثبِته – على فرض التسليم ولا نسلِّم – هو وجود تغايرٍ طفيف في بعض أجزاء الشفرة الوراثية، وهذا التغاير لا يصلح أبدًا لإثبات التبايُن النوعيّ، بل هو في باب اختلاف الخصوصيّات، لا اختلاف الهُوِية.

فلا يُدّعى التعدّد في أصل النوع الإنساني ما لم يثبت – بوجهٍ قطعيّ – اختلافٌ في الخصائص النوعيّة، وهو غير متحقِّق، بل قد تقرَّر في أبحاث علم الوراثة نفسه أنّ نسبة التوافق الجينيّ بين جميع البشر تتجاوز 99.9%، فهل يُعقل – بمقتضى التحقيق العقليّ – أنْ يُدَّعى التغاير النوعيّ من جهة نسبةٍ ضئيلةٍ تُفسَّر عادة بالطفرات والتمايزات البيئيّة؟! فهذا ليس من مسالك العلماء، بل من الغفلة عن مناط الاختلاف النوعيّ.

ثمّ إنّ هذه الدعوى تُصادم الضرورات النقلية، فإنّ الذي دلّ عليه ظاهر القرآن – بل صريحه – أنّ البشرية انحدرت من نفسٍ واحدةٍ، قال تعالى: ﵟيَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍﵞ [النساء:1]، وهذا التعبير – بمقتضى الصناعة البيانيّة – يفيد الحصر، ولو كان الخلق قد تفرّع من جماعتين مستقلّتين في الأصل، لما صحّ هذا الإطلاق، ولما جرى الخطاب على عمومه لجميع الناس.

ثمّ إنّ دعوى التعدُّد تُفضي إلى لوازم باطلة عقلًا ونقلًا، فإنّ مَن لم يكن من ذرّية آدم (عليه السلام)، لا يشمله ميثاقُ الله تعالى لبني آدم، الوارد في قوله: ﵟوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْﵞ [الأعراف:172]، وهو الميثاق الذي عليه مدارُ التكليف والجزاء، فلو وُجِد مِن الناس مَن لم يُؤخَذ منه الميثاق، لكان مرفوع التكليف، أو مشكوك النسبة، وهو خلاف ما دلّت عليه النصوص القطعيّة من عموم البعثة والخطاب إلى جميع بني الإنسان، قال تعالى: ﵟقُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًاﵞ [الأعراف:158]، وقال: ﵟوَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِﵞ [سبأ:28]، فلو لم يكونوا جميعًا من نسلٍ واحدٍ، لما صحّ توجيه هذا الخطاب.

وعلى تقدير التنزُّل، فإنّ القول بالتداخل الجينيّ لا يُنافي وحدة الأصل، بل لعلّه يُحمَل على تمازجٍ وقَع داخل النسل الواحد، بعد تفرُّع بعضه في بيئاتٍ معزولة، وتحوُّره بفعل عوامل الطفر البيئيّ والزمنيّ، وهذا أمرٌ معروفٌ في علم الوراثة، لا يوجب التعدُّد النوعيّ، ولا يُثبِت أنّ الإنسان جاء من جماعتَين خلقيَّتين مستقلتين، بل هو داخل – على فرض الثبوت، ولم يثبت – في قوله تعالى: ﵟوَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْﵞ [الروم:22]، فإنّ اختلاف الخصوصيّات لا يوجب اختلاف الأصل.

ثمّ إنّ الرجوع في هذا الباب إلى العلم الحديث – بحسب تعبير المعترِض – لا يصحّ؛ لأنّه لا يُورِث اليقين، وليس من مصادر التشريع ولا من أدلّة العقيدة، بل هو قائمٌ على أدواتٍ ظنيّة وتجريبيّة، لا يُعوَّل عليها في إبطال أصلٍ ثبَتَ بالنقل القطعيّ والعقل المحكم، وقد تقرّر في محلّه أنّ العلم التجريبيّ لا اعتبار له في مقابل الدليل النقليّ القطعيّ إذا لم يكن مقطوعًا به من جهاتٍ معتبرة؛ لأنّ الظنّ لا يُقابَل باليقين، ولا الاحتمال بالقطع، فكيف إذا كان الظن ناشئًا من تحليلٍ جينيّ لم يُقرَّر على وجهٍ علميّ معتبر؟!

وأمّا ما ذكره المعترض مِن أنّ "مِن الإنصاف مراجعة هذه الموروثات على ضوء ما توصّل إليه العلم"، فنقول: إنّ الإنصاف ليس في مراجعة العقيدة الثابتة بالنصّ، بل الإنصاف أنْ يُحاكم العلم إلى الوحي، ويُقاس بما قرّره الكتاب والعترة، فإنْ ثبت أنه لا يصادمه، أُخذ به بما لا يُنافي المقطوع، وإن خالف النصوص المحكَمة، طُرح وإنْ زُخرِف له القول.

فالنتيجة: أنّ القول بوحدة الأصل الإنسانيّ هو أصلٌ مقطوعٌ به شرعًا، ثابتٌ عقلًا، مؤيَّدٌ بالواقع العلميّ المعتبَر، ولا يُنقضُ بمثل هذه الدعاوى المستندة إلى ظنونِ المختبرات، لا إلى قواعد العقل، ولا إلى هدى الوحي.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة