
يقول السّيّد محمّد باقر السيستاني (حفظه اللّه): ((وبالرغم من أن هذا الاعتذار غير وافٍ في حدّ نفسه، بالالتفات إلى شدّة خطورة المحتمل الموجبة لفاعليّة الاحتمال ـ وفق القواعد الفطريّة العامة للسلوك الإنساني ـ فإن في وضوح جري الدين على اتجاه معقول في هذه النواحي ما يبيّن عدم صحة هذا الاعتذار بحال)). إذا أمكن إيضاح هذه العبارة فضلاً وخصوصا العبارة الغليظة.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
يقول سماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني (دامت إفاضاته) في كتابه (اتجاه الدين في مناحي الحياة – ص11): ((وبالرغم من أنّ هذا الاعتذار غيرُ وافٍ في حدِّ نفسه)). المراد بـ (الاعتذار) هنا، التبرير الذي يُتّخذ حجّةً لترك الدِّين أو التخفّف من لوازمه. و(غير وافٍ) أي لا يبلغ مرتبة الإعذار عقلًا ولا شرعًا؛ لأنه قاصرٌ عن إنشاء التعذير - وهو جعل العذر مُسقِطًا للتكليف أو للملامة - في مقام العمل. و(في حدِّ نفسه) يعني: حتى قبل ضمّ أيّ شواهد إضافية.
وقوله: ((بالالتفات إلى شِدّةِ خُطورةِ المُحتَمَلِ المُوجِبةِ لفـاعليّةِ الاحتمال)). والمراد بـ (المحتمل) هو الأمر الذي لم يحصل فيه قطع – أي إدراكٌ جازم لا تردّد فيه - لكنه غيرُ مستبعَد، فإذا كانت خطورتُه عظيمةً - كترتّب سعادةٍ أو شقاءٍ أبديَّين - صار نفسُ الاحتمال مُحرِّكًا مُنجِّزًا - أي صيرورةُ الشيء مُلزِمًا في مقام العمل بحيث يُعاتب تاركُه - في نظر العقلاء، فيوجب الاحتياط - أي الأخذُ بالأوثق دفعًا للضرر العظيم - والتحفّظ - أي التوقّي عمّا يُخشى منه بتقديرٍ وعن روية - والعملَ على طبق الحذر.. ولهذا يُقال في الأصول تنجيزُ الاحتمال في موارد الأهميّة، من قبيل من يشمّ رائحة الغاز، وإن ظنًّا، يُسارع إلى قطع المصدر؛ ومن احتمل سُمّيةَ دواءٍ امتنع عن تعاطيه حتى يتيقّن.
وقوله: ((وفقَ القواعدِ الفطريةِ العامّةِ للسلوكِ الإنساني)). أي على مقتضى سيرة العقلاء، وهي طريقةُ الناس الجارية التي جُبِلوا عليها في تدبير معاشهم، حيث يعاملون مسألة الضررَ المحتملَ الخطير معاملةَ الواقع، فيتحركون لدفعه قبل أن يتيقّنوا وقوعَه.
وقوله: ((فإنّ في وضوحِ جَرَيِ الدِّينِ على اتّجاهٍ معقولٍ في هذه النواحي)). المراد بـ (جريُ الدِّين) سيرُ التشريع وتعاليمُه في أبواب الاعتقاد والعمل. و(اتّجاهٌ معقول) أي مسارٌ بيّنٌ منضبطٌ يمكن للعقل إدراكُ حكمته ومصالحِه؛ فالشريعة في أصولها وأحكامها لا تجري على العبث، بل على نظامٍ يُفهَم مقصوده وتُدرَك وجوهُ الرشد فيه، وهذا الوضوح شاهدٌ إضافيّ يعضد حكمَ العقل بالتحفّظ.
وقوله: ((ما يُبيّنُ عدمَ صحّةِ هذا الاعتذارِ بحال)). أي أن هذا العذرُ لا يُسقِط التكليفَ ولا يبرِّئ الذمّة؛ لأنّ مجرّدَ احتمالِ صدقِ الدِّين مع عِظَم عاقبةِ مخالفته يُلزِم عقلًا بالاحتياط على سيرةِ العقلاء، ومع ثبوتِ أنّ الشريعة تجري على نهجٍ معقولٍ ينتفي أصلُ هذا العذر.
فإذا قال قائل: (لا ألتزم حتى أحصّل القطع)، قيل له: في الأمور ذات العاقبة العظمى يكفي احتمالُها لتحريك العقلاء إلى الاحتياط، لا سيّما مع وضوح أنّ الشريعة تسير على نهجٍ معقولٍ. فاعتذارُك غيرُ وافٍ، ولا ينهض لإسقاط لزوم الالتزام.
والخلاصة، أنّ هذا العذرُ لا يَصحّ ولا يُسقِطُ التكليف؛ لأنّ مجرّدَ احتمالِ صدقِ الدِّين مع عِظَمِ عاقبةِ تركِه يُوجِبُ عقلًا الاحتياطَ والعمل، ومع ثبوتِ أنّ الشريعةَ تمضي على نهجٍ معقولٍ لا يبقى وجهٌ للتخلّفِ إلّا إذا قام ترخيصٌ شرعيٌّ بيّنٌ يرفعُ المؤاخذة.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
