مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

شرحُ عبارةِ السيّد محمّد باقر السيستاني في سقوطِ الاعتذار ولزومِ الاحتياط

السائل حسين النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 114 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

يقول السّيّد محمّد باقر السيستاني (حفظه اللّه): ((وبالرغم من أن هذا الاعتذار غير ‏وافٍ في حدّ نفسه، بالالتفات إلى شدّة خطورة المحتمل الموجبة لفاعليّة الاحتمال ـ وفق القواعد ‏الفطريّة العامة للسلوك الإنساني ـ فإن في وضوح جري الدين على اتجاه معقول في هذه ‏النواحي ما يبيّن عدم صحة هذا الاعتذار بحال)).‏ إذا أمكن إيضاح هذه العبارة فضلاً وخصوصا العبارة الغليظة.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

يقول سماحة آية الله السيد محمد باقر السيستاني (دامت إفاضاته) في كتابه (اتجاه الدين في ‏مناحي الحياة – ص11): ((وبالرغم من أنّ هذا الاعتذار غيرُ وافٍ في حدِّ نفسه)). المراد بـ ‏‏(الاعتذار) هنا، التبرير الذي يُتّخذ حجّةً لترك الدِّين أو التخفّف من لوازمه. و(غير وافٍ) أي لا ‏يبلغ مرتبة الإعذار عقلًا ولا شرعًا؛ لأنه قاصرٌ عن إنشاء التعذير - وهو جعل العذر مُسقِطًا ‏للتكليف أو للملامة -‏  في مقام العمل. و(في حدِّ نفسه) يعني: حتى قبل ضمّ أيّ شواهد إضافية.‏

وقوله: ((بالالتفات إلى شِدّةِ خُطورةِ المُحتَمَلِ المُوجِبةِ لفـاعليّةِ الاحتمال)). والمراد بـ (المحتمل) ‏هو الأمر الذي لم يحصل فيه قطع – أي إدراكٌ جازم لا تردّد فيه‏ - لكنه غيرُ مستبعَد، فإذا كانت ‏خطورتُه عظيمةً - كترتّب سعادةٍ أو شقاءٍ أبديَّين - صار نفسُ الاحتمال مُحرِّكًا مُنجِّزًا - أي ‏صيرورةُ الشيء مُلزِمًا في مقام العمل بحيث يُعاتب تاركُه‏ - في نظر العقلاء، فيوجب الاحتياط ‏‏- أي الأخذُ بالأوثق دفعًا للضرر العظيم‏ - والتحفّظ  - أي التوقّي عمّا يُخشى منه بتقديرٍ وعن ‏روية‏ - والعملَ على طبق الحذر.. ولهذا يُقال في الأصول تنجيزُ الاحتمال في موارد الأهميّة، ‏من قبيل من يشمّ رائحة الغاز، وإن ظنًّا، يُسارع إلى قطع المصدر؛ ومن احتمل سُمّيةَ دواءٍ ‏امتنع عن تعاطيه حتى يتيقّن.‏

وقوله: ((وفقَ القواعدِ الفطريةِ العامّةِ للسلوكِ الإنساني)). أي على مقتضى سيرة العقلاء، وهي ‏طريقةُ الناس الجارية التي جُبِلوا عليها في تدبير معاشهم، حيث يعاملون مسألة الضررَ المحتملَ ‏الخطير معاملةَ الواقع، فيتحركون لدفعه قبل أن يتيقّنوا وقوعَه.‏

وقوله: ((فإنّ في وضوحِ جَرَيِ الدِّينِ على اتّجاهٍ معقولٍ في هذه النواحي)). المراد بـ (جريُ ‏الدِّين) سيرُ التشريع وتعاليمُه في أبواب الاعتقاد والعمل. و(اتّجاهٌ معقول) أي مسارٌ بيّنٌ منضبطٌ ‏يمكن للعقل إدراكُ حكمته ومصالحِه؛ فالشريعة في أصولها وأحكامها لا تجري على العبث، بل ‏على نظامٍ يُفهَم مقصوده وتُدرَك وجوهُ الرشد فيه، وهذا الوضوح شاهدٌ إضافيّ يعضد حكمَ العقل ‏بالتحفّظ.‏

وقوله: ((ما يُبيّنُ عدمَ صحّةِ هذا الاعتذارِ بحال)). أي أن هذا العذرُ لا يُسقِط التكليفَ ولا يبرِّئ ‏الذمّة؛ لأنّ مجرّدَ احتمالِ صدقِ الدِّين مع عِظَم عاقبةِ مخالفته يُلزِم عقلًا بالاحتياط على سيرةِ ‏العقلاء، ومع ثبوتِ أنّ الشريعة تجري على نهجٍ معقولٍ ينتفي أصلُ هذا العذر.‏

فإذا قال قائل: (لا ألتزم حتى أحصّل القطع)، قيل له: في الأمور ذات العاقبة العظمى يكفي ‏احتمالُها لتحريك العقلاء إلى الاحتياط، لا سيّما مع وضوح أنّ الشريعة تسير على نهجٍ معقولٍ. ‏فاعتذارُك غيرُ وافٍ، ولا ينهض لإسقاط لزوم الالتزام.‏

والخلاصة، أنّ هذا العذرُ لا يَصحّ ولا يُسقِطُ التكليف؛ لأنّ مجرّدَ احتمالِ صدقِ الدِّين مع عِظَمِ ‏عاقبةِ تركِه يُوجِبُ عقلًا الاحتياطَ والعمل، ومع ثبوتِ أنّ الشريعةَ تمضي على نهجٍ معقولٍ لا ‏يبقى وجهٌ للتخلّفِ إلّا إذا قام ترخيصٌ شرعيٌّ بيّنٌ يرفعُ المؤاخذة.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة