مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

قدسيّة النجف.. عنوان يستفز المبغضين

السائل علي الموسوي النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 381 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما ردّكم على غيث التميمي حيث يقول: (لا وجود لمقدّس في القرآن إلا الله) معترضًا على قدسية النجف الأشرف التي تشرّفت وتقدّست بجسد أمير المؤمنين عليه السلام؟

الجواب

الأخ علي المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

هذه المقولة تشي بجهل قائلها بما في كتاب الله، وهي محاولة يائسة لزعزعة عقيدة أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بمقدَّساتهم، ولكنْ هيهات.. هيهات أنْ يبلغ حجارُهم تلك السماء الشامخة، وحالُ القائل هذا وأمثاله كما قال الشاعر:

كناطحٍ صخرةً يومًا ليُوهِنَها *** فلم يضُرْها وأوهى قرنَه الوعْلُ

أقول:

إنّ لفظة "المقدَّس" لا تختص بالله تعالى، بل تُطلق على بعض المخلوقات مما يستحقّ هذا الوصف. ومن حيث معنى "المقدَّس" في لغة العرب فإنه ليس ثمةَ ما يمنع من إطلاق هذا اللفظ على الأمكنة، فيقال: أرضٌ مقدسة، أي مطهرة أو مباركة، فقد جاء في "لسان العرب": ((المُقَدَّس: المُبارَك، والأَرض المُقَدَّسة: المطهَّرة، وقال الفرَّاء: الأَرض المقدَّسة: الطاهرة، وهي دِمَشْق وفِلَسْطين وبعض الأُرْدُن، ويقال: أَرض مقدَّسة أَي: مباركة، وهو قول قتادة، وإِليه ذهب ابن الأَعرابي)). [لسان العرب، ج6، ص168].

وقد جاء في "الفروق اللغوية" لأبي هلال العسكري – نقلًا عن غيره في الفرْق بين التسبيح والتقديس -: ((والحاصل: أنّ التقديس لا يختص به سبحانه بل يستعمل في حق الآدميّين، يقال: فلانٌ رجل مقدَّس: إذا أُريد تبعيده عن مسقِطات العدالة ووصفه بالخير، ولا يقال: رجل مسبَّح، بل ربما يستعمل في غير ذوي العقول أيضًا، فيقال: قدَّس الله روح فلان، ولا يقال: سبَّحه. ومن ذلك قوله تعالى ﵟادْخُلُوا الأَرضَ المُقَدَّسَةَﵞ يعني: أرض المقدسة، يعني: أرض الشام)). [الفروق اللغوية، ص125].

وقد دلت بعض آيات القرآن الكريم على قدسية بعض الأمكنة، كما في قوله تعالى ﵟيَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَﵞ [المائدة، آية:21]، وقال ابن كثير في تفسيره: ((فقال تعالى مخبِراً عن موسى أنه قال ﵟيَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَﵞ أي: المطهَّرة " [تفسير ابن كثير، ج3، ص75].

وقال ابن عاشور: ((والأرض المقدّسة بمعنى: المطهّرة المباركة، أي: الّتي بارك الله فيها)) [التحرير والتنوير، ج6، ص162].

ومن تلك الآيات – أيضًا - قوله تعالى: ﵟفَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًىﵞ [طه، آية: 11-12]، وطُوى اسمٌ لوادٍ بطور، وهو الذي سماه الله سبحانه بالوادي المقدس، وهذه التسمية والتوصيف هي الدليل على أنّ أمره بخلع النعلين إنما هو لاحترام الوادي أنْ لا يُداس بالنعل، ثم تفريع خلع النعلين مع ذلك على قوله: (إني أنا ربك) يدل على أن تقديس الوادي إنما هو لكونه حظيرة القُرب وموطن الحضور والمناجاة، فيؤوْل معنى الآية إلى مثل قولنا: نودي يا موسى ها أنا ذا ربك وأنت بمحضرٍ مني، وقد تقدّس الوادي بذلك، فالتزم شرط الأدب، واخلع نعليك.

وعلى هذا النحو يقدَّس ما يقدس من الأمكنة والأزمنة كالكعبة المشرفة والمسجد الحرام وسائر المساجد والمشاهد المحترمة في الإسلام والأعياد والأيام المباركة، فإنما ذلك قُدْسٌ وشرف اكتسبته بالانتساب إلى واقعة ٍشريفة وقعت فيها، أو نُسك وعبادة مقدسة شُرِّعت فيها، وإلا فلا تفاضل بين أجزاء المكان ولا بين أجزاء الزمان. [يُنظر: تفسير الميزان، ج14، ص138].

فمدينة النجف اكتسبت قدسيتها من احتضانها الجسدَ الطاهر لإمام المتقين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كما تقدست كربلاء بجسد سيد الشهداء (عليه السلام) والكاظمية بموسى الكاظم (عليه السلام)، وسامراء بالعسكريين (عليهما السلام)، وغيرها من المدن المقدسة.

ودمتم سالمين

مسائل ذات صلة