
لو أنَّ الأمة الإسلامية انتظرت مهديّ الشيعة لما انتصرت في حطّين وبيت المقدس، ولو أنَّها انتظرت المهديّ لما سحقت جيوش المغول والتتار في عين جالوت، ولو أنَّ المسلمين السنّة كانوا مثل الشيعة، وعلّقوا الجهاد (لا راية قبل راية المهدي) لما وصلت راية رسول الله (لا إله إلا الله) إلى جبال الهمالايا، ولو أنّهم تبنّوا أفكار الوهم والأحلام لضاع الإسلام والقرآن الكريم، ولما خرج من حدود المدينة المنورة، فماذا قدّم الشيعة للإسلام؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
يمكن الرد على هذا الإشكال وتحديد المغالطات فيه على النحو الآتي:
أوّلًا: مغالطة الاستنتاج الزائف: يقارن المستشكل بين سلوك الشيعة والسُّنة بنحوٍ عام، ويستنتج أن الشيعة هم الوحيدون الذين ينتظرون المهدي (عليه السلام)، وهذا استنتاجٌ غير صحيح وزائف؛ لأن السنة أنفسهم أيضًا يؤمنون بظهور المهديّ (عليه السلام) وينتظرونه بشدة، وليس من المنطقي تقييد هذا الانتظار فقط بالشيعة.
فعقيدة انتظار الإمام المهدي (عليه السلام) لا تختص بالشيعة فقط، بل هي تشمل المسلمين جميعهم، وبهذا صرّح علماء أهل السنّة:
قال ابن حجر في "فتح الباري": ((تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأمة، وأنَّ عيسى يصلّي خلفه)) [فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر، ج6، ص494].
وجاء عن ابن قيم الجوزية في كتابه "إغاثة اللهفان": ((والأمم الثلاث تنتظر منتظَراً يخرج في آخر الزمان، فإنّهم وعدوا به في كلّ ملّة، والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم من السماء لكسر الصليب، وقتل الخنزير، وقتل أعدائه من اليهود، وعُبّاده من النصارى، وينتظرون خروج المهدي من أهل بيت النبوة، يملأ الأرض عدلًا كما ملئت جورًا)) [إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ص1097].
وجاء عن ابن تيمية في كتابه "منهاج السنّة النبوية": ((أنّ الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم)) [منهاج السنّة النبوية، ج8، ص254].
وصرّح الشيخ الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" بأنّ منكر عقيدة المهدي وخروجه التي تواتر ذكرها في الأحاديث الصحيحة هو كمن أنكر ألوهية الله عزّ وجل. [يُنظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج4، ص43].
ثانياً: مغالطة السبب المعكوس أو افتراض السبب والنتيجة: توجيه اتهامٍ للشيعة بعدم تنفيذ فريضة الجهاد بسبب عدم ظهور المهدي المنتظر (عليه السلام)، هذه المغالطة تفترض أن عدم ظهور المهدي (عليه السلام) هو السبب الوحيد والمباشر في تعليق الشيعة فريضة الجهاد.
وهذا الاستدلال غير صحيح؛ لأن انتظار الإمام المهدي (عليه السلام) لا يعني تعليق الجهاد مطلقًا، بل الجهاد الدفاعي وردع المعتدين قائمٌ في الفقه الشيعي، ولا يرتبط بحضور الإمام المعصوم (عليه السلام)، وقد جاهد المسلمون الشيعة الغزاة الإنكليز تحت حكم الحاكم السنّي دفاعًا عن وطنهم في ثورة العشرين، وكذلك فتوى الجهاد الكفائي الأخيرة التي صدرت عن المرجعية العليا في ردع داعش التي اجتاحت محافظات العراق خير شاهد على ذلك.
أمّا الجهاد الابتدائي فهو منوط بحضور المعصوم (عليه السلام)، لأنّك لو رجعت إلى التأريخ ورأيت سيرة الحكّام في حروبهم مع البلدان غير الإسلامية لرأيت البون الشاسع بينها وبين حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالنبيّ كان همّه الأوّل هو نشر الإسلام وتعليم الناس أحكام الدين الجديد، وكان همّ هؤلاء هو الغنائم وجباية الأموال فقط.
يروي الطبري في تاريخه: ((أنّ سعيد بن العاص صالح أهل جرجان، وكانوا يجبون أحيانًا مائة ألفٍ، ويقولون: هذا صلحنا، وأحيانًا مائتي ألفٍ، وأحيانا ثلاثمائة ألفٍ، وكانوا ربّما أعطوا ذلك، وربّما منعوه، ثمَّ امتنعوا، وكفروا، فلم يعطوا خراجًا حتّى أتاهم يزيد بن المهلب، فلم يعازه أحد حين قدمها، فلما صالح صولًا وفتح البحيرة ودهستان صالح أهل جرجان على صلح سعيد بن العاص)) [تاريخ الطبري، ج3، ص325].
وفي نصٍّ آخر له يقول فيه: ((لم يزل أهل أفريقية من أطوع البلدان وأسمعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك، حتّى دبَّ إليهم أهل العراق، واستثاروهم، فشقوا العصا، وفرّقوا بينهم إلى اليوم، وكانوا يقولون: لا نخالف الأئمة بما تجني العمال، فقالوا لهم: إنّما يعمل هؤلاء بأمر أولئك، فقالوا حتى نَخْبُرَهُم. فخرج ميسرة في بضعة وعشرين رجلًا، فقدموا على هشام، فلم يؤذن لهم، فدخلوا على الأبرش، فقالوا: أبلغ أمير المؤمنين أنَّ أميرنا يغزو بنا وبجنده، فإذا غنمنا نفّلهم، ويقول: هذا أخلص لجهادنا، وإذا حاصرنا مدينة قدّمَنا، وأخّرهم، ويقول: هذا ازدياد في الأجر، ومثلنا كفى إخوانه. ثمَّ إنّهم عمدوا إلى ماشيتنا، فجعلوا يبقرون بطونها عن سخالها، يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين، فيقتلون ألف شاة في جلد، فاحتملنا ذلك. ثمَّ إنهم سامونا أن يأخذوا كلّ جميلة من بناتنا. فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنّة، ونحن مسلمون، فأحببنا أن نعلم: أ عن رأي أمير المؤمنين هذا، أم لا ؟! فطال عليهم المقام، ونفدت نفقاتهم، فكتبوا أسماءهم، ودفعوها إلى وزرائه، وقالوا: إن سأل أمير المؤمنين فأخبروه، ثمَّ رجعوا إلى أفريقية، فخرجوا على عامل هشام، فقتلوه، واستولوا على أفريقية، وبلغ الخبر هشامًا، فسأل عن النفر، فعرف أسماءهم، فإذا هم الذين صنعوا ذلك)) [تاريخ الطبري، ج3، ص313].
فهذا هو واقع (الجهاد) الذي كان يقوم به هؤلاء الحكام وأشباههم، وهو بعيد عن روح الإسلام وغاياته في تحرير الشعوب ودعوتها إلى دين الله، ومن هنا امتنع الأئمة (عليهم السلام) وامتنع شيعتهم عن المشاركة في مثل هذه الحروب التي همّها الأوّل والأخير جباية الأموال وأخذ الجواري الجميلات، وليس الدعوة إلى دين الله.
ففي حديثٍ معتبر يرويه الشيخ الكليني في " الكافي": ((عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لقي عباد البصري عليّ بن الحسين (صلوات الله عليهما) في طريق مكة، فقال له: يا عليّ بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحجّ ولينته، إنّ الله عزّ وجل يقول: ﵟإِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُﵞ فقال له عليّ بن الحسين عليه السلام: أتمّ الآية، فقال: ﵟالتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَﵞ، فقال عليّ بن الحسين عليه السلام: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج)) [الكافي، ج5، ص22، مرآة العقول، ج18، ص347].
ثالثًا: مغالطة الانحراف: يفترض المستشكل أن الشيعة تبنَّوا أفكار الوهم والأحلام، وأنهم لم يقدموا شيئًا للإسلام، وهذا ادعاءٌ لا يستند إلى أدلة ملموسة، فالشيعة قدموا كثيرًا للإسلام عبر التاريخ، بما في ذلك العلوم والفكر والأدب والفلسفة والقانون والثقافة والتعليم. إن تاريخ الشيعة مليء بشخصيات علمية وثقافية وروحانية بارزة ساهمت في التنمية والتقدم الإسلامي، ودونك هذه النخبة اليسيرة جدًّا التي لا تجد لها مثيلًا في دنيا الإسلام كلّه ممّن تغذت على يد الولاء لآل البيت (عليهم السلام)، وأبهرت الدنيا بعلومها الفذة:
1- أبو الأسود الدؤلي، واضع علم النحو، أخذ هذا العلم عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في قصة معروفة.
قال عنه الذهبي في ترجمته في كتابه "سير أعلام النبلاء": ((كان من وجوه شيعة علي، ومن أكملهم عقلًا ورأيًا، وكان معدودًا في الفقهاء، والشعراء، والمحدِّثين، والأشراف، والفرسان، والأمراء، والدهاة، والنحاة، والحاضري الجواب، والشيعة، والبخلاء، والصُّلع الأشراف)) [سير أعلام النبلاء، ج4، ص84].
2- جابر بن حيّان، هو تلميذ الإمام الصادق (عليه السلام)، أشهر مَن عرفتْه الدنيا في علم الكيمياء، وهو أوّل من أشار إلى طبقات العين قبل «يوحنا بن ماسويه» (ت ۲٤۳هـ)، وقبل حنين بن إسحاق (ت ۲٦٤هـ)، وأوّل من أثبت إمكان تحويل المعدن الخسيس إلى الذهب والفضة، ولم تقف عبقريّته في الكيمياء عند هذا الحدّ، بل دفعته إلى ابتكار شيء جديد في الكيمياء، فأدخل فيها ما سمّـاه بعلم الميزان.
عدّه ابن خلكان، وابن النديم، وابن طاووس، والصفدي، والأمين، وصديق حسن خان، والتستري، من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام). [يُنظر: وفيات الأعيان، ج1، ص327، الفهرست، ص420-421، فرج المهموم في تاريخ علماء النجوم، ص146، الوافي بالوفيات، ج11، ص27، أعيان الشيعة، ج4، ص30، أبجد العلوم، ج2، ص462].
3- أبو نصر الفارابي محمّد بن أحمد بن طرخان بن أوزلغ (ت 339 هـ)، أوّل حكيم نشأ في الإسلام، أطلقوا عليه لقب المعلم الثاني بعد أرسطو المعلم الأوّل.
قال عنه الشيخ آقا بزرك الطهراني في "الذريعة إلى تصانيف الشيعة": ((توفّي بدمشق سنة 339 هـ، وصلّى عليه سيف الدولة الحمداني مع عدّة من خواصه… وكان قبل ارتحاله إلى دمشق واتصاله بسيف الدولة في بغداد مصاحبًا لكافي الكفاة الوزير الصاحب بن عبّاد وغيره من الشيعة، وقد شرع في تأليف الآراء في بغداد سنة 330 هـ، وتممه في دمشق سنة 331 هـ، ويظهر من مواضع منه كونه من الإمامية العدلية القائلين بعصمة الأئمة الطاهرين عليهم السلام)) [الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج1، ص33].
4-الخليل بن أحمد البصري الفراهيدي الأزدي، أوّل من ضبط اللغة، وأوّل من استخرج علم العروض إلى الوجود، وهو أسبق العرب إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على حروف المعجم.
قال عنه العلّامة الحلّي في كتابه "الخلاصة": ((كان خليل بن أحمد أفضل الناس في الأدب، وقوله حجّة فيه، واخترع علم العروض، وفضله أشهر من أن يذكر، وكان إماميّ المذهب)) [أعيان الشيعة، ج1، ص182].
5- ابن سينا (370- 428)، عرف باسم الشيخ الرئيس، وسمّاه الغربيون بأمير الأطباء وأبي الطب الحديث في العصور الوسطى. وقد ألّف 200 كتابٍ في مواضيع مختلفة، العديد منها يركّز على الفلسفة والطب. ويعدّ ابن سينا من أوّل من كتب عن الطبّ في العالم، ولقد اتبع نهج أو أسلوب أبقراط وجالينوس. [تُنظر ترجمته في أعيان الشيعة، ج6، ص72].
6- أبو الريحان البيروني (362-440)، قال عنه المستشرق الألماني كارل سخاو: ((إنّ البيروني أكبر عقلية في التاريخ))، فقد كان البيروني رحّالةً وفيلسوفًا وفلكيًّا وجغرافيًّا وجيولوجيًّا ورياضيًّا وصيدليًّا ومؤرخًا ومترجمًا. [تُنظر ترجمته في أعيان الشيعة، ج9، ص66].
هذه نظرة موجزة على إسهامات علماء الشيعة وما قدموه للإسلام والبشرية. ولمعرفة المزيد، يمكنك الاطلاع على كتاب "تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام" للكاتب السيد حسن الصدر، الذي يتألف من 445 صفحة، ويتناول كثيرًا من علماء الشيعة الذين أسهموا بنحو كبير في تأسيس مختلف فروع العلوم الإسلامية، بما في ذلك اللغة، والكلام، والمعقول، والفقه، والأصول، والتفسير، والأخلاق وغيرها.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
