مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

مصاحبة ومصاهرة النبي (ص) لا تدل على أرجحية المصاحب والمصاهر

السائل بشار التميمي. النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 316 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

الرافضة تقصدوا القدح في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يُقال عنه: رجلُ سوءٍ ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين، وعلى معتقدهم بالصحابة فالرّسولُ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ لمَّا صاحبَ وصاهرَ أبا بكرٍ وعمرَ كانَ مخطئاً.

الجواب

بسمه تعالى

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

لا وجه لتلك الملازمة التي مفادها: إنْ كان أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صالحين دلّ ذلك على صلاحه، وإنْ كانوا سيئين دلّ على سوئه (حاشا نبيّ العظمةِ والقداسة).

وإذا كان كذلك، فما تقولون بحقِّ نبيِّ الله موسى (عليه السلام) الذي ارتدّ أصحابه من بعده فاتخذوا العجل إلهاً لهم وأطاعوا السامريّ، وموسى (عليه السلام) حيٌّ لم يمتْ ولم يبتعد عن موضعهم ولا طالت غيبتُه؟

فهل يُقال: ان ما اقترفه أصحابه من سوءٍ يلزم من ذلك أنه رجل سوء؟!

وماذا تقولون في أمر يهوذا الإسخريوطي وغيره، الذي كان واحداً من الحواريّين، ثم كفر وخانَ المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)؟

فهل يُقال: إنه رجل سوء أو أنه أخطأ في اختيار أصحابه؟!

وأما مسألة المصاحبة والمصاهرة فهي لا تعني بالضرورة ارتفاع درجة إيمان المصاحب والمصاهر، فالنبي (صلى الله عليه آله وسلم) هو نفسه من أسس قاعدة التعامل مع المسلم على ظاهر إسلامه دون الفحص عن خفاياه ونواياه.

ومهما يكن، فان المصاهرة لا تدل على أكثر من اتصال الوشائج والروابط وإحياء السُنّة، أما أنها تدل على أرجحية الصهر فدون إثباته خرط القَتاد. ولقد كان من أصهار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أبناء أبي لهب، واُمهما حمالة الحطب!!

فإن قلت: ألم يكن علي بن أبي طالب (عليه السلام) صهرا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونال ما ناله بالمصاهرة؟

نقول: لمّا أعلن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عن استخلاف عليّ (عليه السلام) بعده، لم يكن ينظر للترابط النسبي أو المصاهرة بينه وبين عليّ (عليه السلام)، فلم يكن (صلى الله عليه وآله وسلم) ينظر لسوى القابليات والمؤهلات التي اجتمعت وتوافرت في الامام عليّ (عليه السلام) التي ترشحه لقيادة التجربة الإسلاميّة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

فلم يقل (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ علياً صهري، أو ابن عمّي، وإنّما كان يشيد بالإخلاص والعظمة والاستيعاب وسائر المؤهلات في الإمام علي (عليه السلام)، وقد أوضح (صلى الله عليه وآله وسلم) للأمة انّ المعيار هو درجة العلاقة مع الرسالة والقرآن وليس شيئاً آخر، فكان يقول: ((انّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض))، فبيّن أنّ الترابط الدائم مع كتاب الله عزّ وجلّ هو الذي رشّح أئمة للمسلمين من أهل البيت (عليهم السلام) وليس شيئا آخر.

وأما أنّ الشيعة الإمامية يتقصدون القدح في أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد وجدنا القرآن الكريم نفسه يحدثنا عن الصحابة بأن فيهم شبهة الارتداد والانقلاب على الأعقاب، يقول تعالى: ﵟوَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاﵞ [آل عمران:144].

ويقول تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌﵞ [المائدة:54].

وجاءتنا رواياتٌ صريحة صحيحة تقول بحصول الارتداد من الصحابة بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي المُسمّاة بأحاديث الحوض، وإليك طرفاً منها:

ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحَوْضَ، حَتَّى عَرَفْتُهُمْ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ") [صحيح البخاري، ج8، ص120].

وروى – أيضاً – بسنده عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((«إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ»

قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، لَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَزِيدُ فِيهَا: " فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ")) [المصدر السابق].

وروى – أيضاً – بسنده عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((يَرِدُ عَلَى الحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي، فَيُحَلَّئُونَ عَنْهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لاَ عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ القَهْقَرَى)) [المصدر السابق].

كما روى مسلم في صحيحه بسنده عَنْ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: ((سَمِعْتُ سَهْلًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلًا يَقُولُ؟ قَالَ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَسَمِعْتُهُ يَزِيدُ فَيَقُولُ «إِنَّهُمْ مِنِّي»، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: «سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي»)) [صحيح مسلم، ج4، ص1793، حديث2290].

فهذه الأحاديث واضحة جداً، وفيها عبارات صريحةٌ جداً لا تقبل التأويل، نحو قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (من أصحابي)، وقوله: (فأقول يا رب أصحابي)، الظاهرة في أن المبدِّلين من بعد النبيّ (ص) والمحدِثين في الدين هم ممن صحبه (صلى الله عليه وآله وسلم) وخالطه، وهذا هو الذي يقتضيه الظهور للعبارات المذكورة.

فالقرآن هو أول من قدح ببعض هؤلاء الصحابة، والبخاري ومسلم أكدا هذا القدح في صحيحهما، والشيعة الإمامية انما يقتدون بكتاب الله وبسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة