مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

‏ مناقشة اعتراضات ميثاق العسر ‏في إرسال السيد السيستاني تربة الحسين (ع) لأخيه للاستشفاء

السائل أأأ النشر القراءة 15 دقيقة المشاهدات 51 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما تعليقكم على ميثاق العسر في منشوره حول ارسال السيد السيستاني تربة الحسين لأخيه للاستشفاء ؟

الجواب

((لفت انتباهي مقطعٌ مرئيّ يظهر فيه النجل الأصغر للمرجع الأعلى المعاصر ‏السيّد ‏السيستاني، وهو يضع في فم عمّه المسجّى في المشفى شيئاً من تُربة الحسين، ويقول له: ‏هذا ما ‏أرسله الوالد لكم!!‏)).‏

التعليق:‏

ليس في هذا الكلام أكثر من نقل واقعة كما هي. وهذه الواقعة بذاتها لا تشتمل على حكم، ولا ‏تدلّ على موقف من الطبّ، ولا تحمل دعوى فكريّة.‏

فإنّ الذي جرى هو فعل تعبّدي صدر عن اعتقادٍ بما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في ‏التبرّك بتربة سيّد الشهداء (عليه السلام)، وقد وقع هذا الفعل والمريض باقٍ في المستشفى ‏وتحت رعاية الأطبّاء، ولم يصدر مع هذا التصرّف ما يدلّ على إنكار العلاج، ولا على رفض ‏التداوي، ولا على الاستغناء عن الوسائل الطبيّة، لا قولًا ولا حالًا.‏

والمشكلة في كلام "العسر" أنّه فهم من هذا الفعل أكثر ممّا يدلّ عليه، فجعله كأنّه موقف من ‏الطبّ، مع أنّه لا يدلّ على ذلك.. فإنّ التبرّك لا ينافي الأخذ بالأسباب، كما أنّ الدعاء عند ‏المريض لا يدلّ على إنكار العلاج، وذكر الله سبحانه في المستشفى لا يُفهم منه الطعن في ‏الطبّ.‏

ولو سُلِّم بهذا الوجه من الاعتراض، للزم أن يكون كلّ دعاءٍ في المستشفى، وكلّ توجّهٍ إلى الله ‏عزّ وجل عند المرض، علامة على معاداة الطبّ، وهو ممّا لا يقول به أحد، ولا يستقيم عليه ‏فهم.‏

وعليه، فالمشهد في حدّ ذاته لا يصلح أن يكون محلّ اعتراض، لأنّه لم يشتمل على دعوى حتّى ‏تُناقَش، وإنّما أُخرج عن حدّه، وحُمِّل ما لا يدلّ عليه.‏

واسترسل العسر قائلاً:

((... أنّنا نرى بأنّ حكاية الاستشفاء بتربة الحسين لا تملك أيّ قيمة ‏علميّة على ‏الإطلاق، بل أثبتت التّجارب العلميّة والعمليّة بما لا مزيد عليه بطلانها. وكنت ‏أتمنّى على ‏سماحة السيّد السيستاني ـ وهو المرجع الأعلى للطّائفة ـ أن يبتعد ـ ولا أقلّ إعلاميّاً ـ ‏عن ‏توظيف هذه الآليّات والبيانات؛ لأنّها تُعطي رسالة سلبيّة جدّاً عن محتوى المذهب ‏وأسطرته)).

التعليق:‏

هذا كلام لا يقوم عليه دليل؛ لأنّه لم يذكر تجربة بعينها، ولا جهة يُرجع إليها، ولا كيفيّة جرى ‏بها الاختبار، وإنّما أطلق الحكم من غير بيان. والحكم إذا خلا عن الدليل لم يكن له اعتبار في ‏مقام البحث.‏

ثمّ إنّ جعل ما يسمّى بالقيمة العلميّة مقياسًا للحكم في هذه المسألة غير لازم؛ لأنّ ما يتعلّق ‏بالشفاء ليس كلّه داخلًا في دائرة الأسباب الظاهرة. فالشفاء في أصل الاعتقاد بيد الله عزّ وجل، ‏والدواء سبب، وقد يؤثّر وقد لا يؤثّر، وهذا أمر يسلّم به أهل الطبّ أنفسهم. فما رُبط أثره ‏بمشيئة الله لا يُنفى لمجرّد عدم ثبوته بطريق التجربة.‏

وأمّا قوله إنّ التجارب قد أثبتت البطلان، فغير مستقيم أيضًا؛ لأنّ ما ورد في تربة الإمام ‏الحسين (عليه السلام) لم يُطرح على أنّه دواء يعمل وحده ويُنتج النتيجة في كلّ حال، حتّى ‏يُقاس هذا القياس، فإذا لم تكن الدعوى على هذا النحو من الأصل، كان ردّها بهذه الطريقة ‏خروجًا عن محلّ الكلام.‏

وأمّا دعوته المرجع الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله) إلى الابتعاد عن مثل هذه الأمور ‏بدعوى أنّها تعطي صورة غير حسنة عن المذهب، فمبنيّة على جعل نظر الناس حاكمًا على ‏الصواب والخطأ!! والمذهب لا يُعرف بما يرضي هذا أو ذاك، بل بما ثبت عن أهله وسيرتهم. ‏وليس من شأن المرجعيّة أن تترك ما تعتقده صحيحًا خوفًا من سوء الفهم، ما دام ذلك لا يدعو ‏إلى ترك العلاج ولا إلى إهمال العقل.‏

وأمّا وصف هذه المعتقدات بأنّها أساطير، فهو ناشئ من الخلط بين التعبّد بما ورد عن أئمة أهل ‏البيت (عليهم السلام) وبين الخرافة.. فليس كلّ ما لا يُقاس بأدوات الطبّ باطلًا، ولا كلّ ما ثبت ‏بالنقل الشرعي خرافة، وإلّا لزم ردّ كثير من المعارف الدينيّة من أصلها.‏

فهذا الكلام مبنيّ على إطلاقات لا دليل عليها، وعلى فهم غير لازم لمعنى العلم وحدوده، ومع ‏هذا الخلل لا يكون للاعتراض قوّة يُعوّل عليها في المناقشة.‏

وتابع العسر قائلاً:

((إنّ بإمكان فقهاء الطّائفة ـ لو كانوا جادّين حقّاً ـ أن يُجروا اختباراً تجريبيّاً واضحاً ‏على مئة ‏مريض بأمراض مستعصية، فيُسقونهم شيئاً من عمق التّربة الحسينيّة الملاصقة ‏للضريح ‏الحالي، وتُجرى لهم تحاليل دقيقة بعد ذلك. فإن شُفي ولو عددٌ قليل منهم، لكان فتحاً ما ‏بعده فتح، ‏وثُبّت إيمان النّاس وازداد المعتنقون، أمّا إذا كانت النّتائج صفراً على الشّمال، بل ‏وربّما ضرراً ‏أكبر، فالمفروض حينها أن نرفع اليد عن هذه الدّعوى، وننتصر لعقولنا)).

التعليق:‏

قوله: (إنّه يمكن لفقهاء الطائفة أن يُجروا تجربة على مرضى، فيُسقوهم شيئًا من التربة ‏الحسينيّة، ثم تُقاس النتائج)، هذا الكلام يفترض أنّ ما قيل في تربة الإمام الحسين (عليه السلام) ‏هو من قبيل الدواء المعروف، يعمل وحده، ويُعطي نتيجة لازمة متى ما استُعمل، إمّا شفاءً وإمّا ‏عدمه. وهذا الفهم لم يقل به أحد من علماء الطائفة ولا من عامّة المؤمنين.‏

فإنّ ما ورد في النصوص لم يُعرض على أنّه علاج يجري مجرى الأدوية، ولا أنّه سبب مستقلّ ‏يعمل بنفسه، بل ورد مقرونًا بإذن الله سبحانه، ومتعلّقًا بحال الإنسان نفسه، وبما يصدر عنه من ‏توجّه ورجاء. ومثل هذا لا يُجعل موردًا للتجربة على النحو الذي تُجرى به التجارب الطبّيّة؛ ‏لأنّ تلك التجارب إنّما تُجري حكمها فيما كان أثره مربوطًا بالمادّة وحدها.‏

ثمّ إنّ اقتراح اختيار مرضى بأمراض شديدة بالذات يكشف عن خلل آخر؛ لأنّ جعل موارد ‏العجز الطبّي ميدانًا للاختبار ليس طلبًا للحقّ، بل هو تعريض للكلام للنقض من أوّل الأمر. فإن ‏لم يحصل الشفاء قيل: بطلت الدعوى، مع أنّ النصوص لم تقل بالشفاء في كلّ حال، ولا على ‏نحو الجزم، فلا يكون عدم الشفاء دليلًا على البطلان.‏

وأمّا قوله: (إنّ شفاء بعضهم يكون سببًا لثبات الإيمان وكثرة الداخلين في الدين)، فهذا خلط في ‏فهم طبيعة الإيمان، فإنّ الإيمان لم يُبنَ على هذا الطريق، ولا عُلّق على ظهور نتائج حسّيّة، وإلّا ‏لما بقي للإيمان بالغيب معنى، ولا للاختبار الإلهي موضع. فالدين يقوم على البيان والحجّة، لا ‏على إظهار الخوارق للناس ليؤمنوا بها.‏

وأمّا قوله: (إنّ عدم النتيجة يوجب ترك هذا الاعتقاد والانتصار للعقل)، ففيه خلط - أيضاً - بين ‏العقل وبين ما تُجريه التجربة. فإنّ العقل لا يقول ببطلان شيء لمجرّد أنّه لم يُثبت بالتجربة، بل ‏ينظر هل في القول به محذور أو تناقض أو استحالة، فإذا لم يكن فيه شيء من ذلك، لم يحكم ‏ببطلانه، وأثر جعله الله سبحانه في شيء مخصوص لا يراه العقل محالًا ما لم يستلزم تناقضًا.‏

فهذا الكلام مبنيّ على جعل ما ورد في تربة الإمام الحسين (عليه السلام) بمنزلة الدواء الطبّي ‏المعروف، بحيث يُتوقّع منه أثرٌ واحد متى ما استُعمل، إمّا شفاءً وإمّا عدمه. وهذا الفهم غير ‏صحيح، لأنّ الوارد في هذا الباب لم يُذكر على هذا الوجه أصلًا، ولم يُجعل سببًا مستقلًّا يعمل ‏وحده، بل ذُكر مقرونًا بإذن الله تبارك وتعالى، كسائر ما يتعلّق بالشفاء.‏

وعلى هذا، فطلب إخضاعه للتجربة على نحو ما تُخضع له الأدوية في غير محلّه؛ لأنّ هذا ‏الطريق إنّما يُستعمل فيما كان أثره راجعًا إلى المادّة وحدها، فإذا لم يكن الأمر كذلك، لم يصحّ ‏طلب إثباته أو نفيه بهذا الوجه.‏

والنتيجة أنّ الاقتراح من أوّله مبنيّ على فهم غير تامّ لمحلّ الكلام، ومع هذا الخلل لا يكون ‏للاعتراض وجهٌ يُعتدّ به.

ثم قال:

((إنّ مثل هذه النّصوص والإرشادات الرّوائيّة الّتي صدرت من الأئمّة كان لها رواج في ‏تلك ‏الأزمنة بسبب انعدام العلم؛ فكانت تُسقى للمريض وربّما مع الأدوية الأخرى، فإن شُفي ‏قالوا: ‏أرأيتم كيف أثّرت تربة الحسين! وإن لم يُشفَ وتوفّي، قالوا: إنّ شفاء التّربة ‏بشروطها ‏وشروطها، والعناية الإلهيّة قدّرت له الوفاة لمصلحته!!)).‏

التعليق:‏

قوله: إنّ هذه النصوص كان لها رواج بسبب انعدام العلم في تلك الأزمنة، كلام لا شاهد عليه. ‏فإنّ عصر الأئمّة لم يكن عصر فراغٍ من الطبّ، بل كان الطبّ معروفًا، والأطباء موجودين، ‏وكتب الطبّ متداولة، ولم يكن الناس يجهلون التداوي ولا يعتمدون على الدعاء والتبرّك ‏وحدهما. ولو كان صدور هذه الإرشادات ناشئًا من الجهل بالطبّ، لكان الأولى أن يمنع الأئمّة ‏‏(عليهم السلام) من مراجعة الأطباء، أو أن يجعلوا التربة بديلًا عن العلاج، وهذا ممّا لم يقع، ولم ‏يُنقل عنهم بوجه.‏

ثمّ إنّ تصوير المسألة على أنّ التربة كانت تُسقى للمريض مع الأدوية، فإن شُفي نسبوا الشفاء ‏إليها، وإن مات قالوا: لم تتحقّق الشروط، هذا تصوير ذهني لا دليل عليه، وهو قائم على سوء ‏ظنّ بالعلماء وبفهمهم للنصوص.

فإنّ الروايات لم تُقدَّم على أنّها سبب مستقلّ عن كلّ شيء، ولا ‏على أنّها تضمن الشفاء في كلّ حال، بل وردت مقرونة بمشيئة الله عزّ وجل، وهذا أمرٌ جارٍ في ‏باب التداوي كلّه، حتّى في الأدوية الطبّيّة، فإنّ الطبيب نفسه لا يضمن الشفاء، ولا يقول إنّ ‏الدواء يعمل في كلّ حال ومن دون استثناء.‏

وأمّا الاستهزاء بفكرة الشروط، وكأنّها مخرج عند الفشل، فهو ناشئ من عدم التفريق بين الوعد ‏المطلق وبين الأمر المعلّق. فإنّ كون الأثر مقيّدًا لا يُعدّ تبريرًا بعد الوقوع، بل هو جزء من ‏البيان من أوّل الأمر. وهذا نظير ما يقال في سائر أبواب الدعاء، فإنّ عدم الاستجابة لا يُعدّ ‏تكذيبًا لأصل مشروعيّة الدعاء، ولا يُقال إنّ الدعاء وُضع للتبرير بعد عدم حصول المطلوب.‏

وأمّا قوله: إنّ الوفاة تُنسب إلى العناية الإلهيّة لمصلحته على نحو التهرّب، ففيه خلط واضح بين ‏التسليم بالقضاء وبين نفي الأسباب. فإنّ الإيمان بأنّ الأجل بيد الله سبحانه لا يعني إنكار العلاج، ‏كما أنّ التداوي لا يعني إنكار القضاء. وهذا الجمع هو الذي جرى عليه المسلمون في كلّ ‏الأعصار، ولم يكن خاصًّا بزمنٍ دون زمن.‏

والحقّ أنّ هذه الإرشادات صدرت في سياقٍ يجمع بين التداوي والتعبّد، من غير تعارض ولا ‏مزاحمة، ومن دون أن تُطرح يومًا بوصفها بديلًا عن الطبّ أو قائمًا مقامه. ومع هذا البيان، ‏يظهر أنّ هذا الاعتراض ليس قائمًا على تحقيقٍ تاريخي ولا على فهمٍ دقيق لمضمون ‏النصوص، وإنّما هو مبنيّ على قراءة معاصرة مسقطة على غير محلّها.‏

وقال:

((وفي الحقيقة: إنّ ترويج ثقافة الشّفاء بتربة الحسين تُكذّبها سيرة الفقهاء والمراجع ‏المعاصرين ‏أنفسهم؛ إذ حينما يمرضون يذهبون إلى أرقى المستشفيات الخاصّة لعلاجهم، ‏ويتنقّلون من مشفى ‏أوتيل ديو في بيروت، إلى المشافي الخاصّة: كرومويل، ويلينغتون، هيرفيلد ‏في لندن...، ‏وحينما تسألهم عن سبب ذلك وفي تربة الحسين العلاج، يقولون لك: وجعلنا لكلّ ‏شيء سبباً، ‏وهؤلاء الكفّار جعلهم الله وسيلة لعلاجنا، فلماذا لا نركن إليهم أو لأدواتهم على أقلّ ‏تقدير!!‏)).‏

التعليق:‏

قوله إنّ سيرة الفقهاء والمراجع المعاصرين تُكذّب القول بالاستشفاء بتربة الإمام الحسين (عليه ‏السلام)؛ لأنّهم إذا مرضوا قصدوا المستشفيات المتقدّمة، كـ مستشفى أوتيل ديو، أو مستشفى ‏كرومويل، أو مستشفى ويلينغتون، أو مستشفى هيرفيلد، فهذا الاستدلال قائم على توهّم أنّ الأخذ ‏بالأسباب الطبّيّة ينافي الاعتقاد بما ورد في النصوص من آثار خاصّة لبعض الأشياء، مع أنّ ‏هذه الملازمة لا يقول بها أحد من علماء الشيعة.‏

فإنّ مراجعة الطبيب، والدخول إلى المستشفى، واستعمال الدواء، كلّ ذلك جارٍ على وفق ما دلّ ‏عليه العقل والشرع من لزوم الأخذ بالأسباب العاديّة، ولم يدّعِ أحد من الفقهاء أنّ تربة الإمام ‏الحسين (عليه السلام) تُغني عن التداوي، أو أنّها تقوم مقام الطبيب، أو أنّها تُلغي الوسائل ‏الطبّيّة. فكيف يُجعل فعلٌ التزموا به دائمًا دليلًا على تكذيب أمرٍ لم يلتزموا بنقيضه أصلًا؟!‏

وأمّا ما نُسب إليهم من قولهم: «وجعلنا لكلّ شيء سببًا»، وأنّ هؤلاء الأطبّاء جعلهم الله وسيلة ‏للعلاج، فهذا الكلام في نفسه صحيح، لكن الخطأ في جعله مقابلًا للتبرّك بتربة الإمام الحسين ‏‏(عليه السلام). فإنّ جعل الله سبحانه للأسباب لا يختصّ بالأسباب الطبّيّة الظاهرة، بل يشمل كلّ ‏ما جعله الله عزّ وجل سببًا بنحوٍ من الأنحاء، سواء كان سببًا عاديًّا أو سببًا تعبّديًّا. والتفريق بين ‏الأمرين على نحو التنافي تفريق لا شاهد عليه.‏

ثمّ إنّ توصيف الأطبّاء بأنّهم كفّار ثمّ جعلهم وسيلة للعلاج، ليس هو محلّ الكلام أصلًا، ولا يزيد ‏الدعوى قوّة ولا ضعفًا؛ لأنّ البحث ليس في ديانة الطبيب، بل في أصل دعوى التناقض. ‏والمراجع حين يراجعون الطبيب لا يقولون: إنّ الشفاء من الطبيب استقلالًا، كما أنّ المتبرّك ‏بالتربة لا يقول: إنّ الشفاء منها استقلالًا، بل الجميع متّفقون على أنّ الشفاء بيد الله سبحانه، وأنّ ‏هذه أسباب، لكلّ سببٍ مجاله وحدّه.‏

وعليه، فإنّ سيرة الفقهاء والمراجع لا تُكذّب شيئًا ممّا ورد في باب التربة، بل هي شاهدة على ‏الجمع بين الأمرين: الأخذ بالأسباب العاديّة من جهة، والتعبّد والتبرّك بما ورد عن أئمة أهل ‏البيت (عليهم السلام) من جهة أخرى. ومع سقوط دعوى التنافي، يسقط الاستدلال من أساسه، ‏ويبقى الكلام مبنيًّا على تصوّر لم يلتزم به الخصم أصلًا.‏

وقال العسر مسترسلا في مقالته:

((والطّريف في البين: أنّ هؤلاء الأطبّاء يقدّمون لهم أفضل ‏العناية وأدقّ العلاجات، فإذا شُفوا قيل ‏للعامّة: كان الشّفاء ببركة تربة الإمام!!... ولله في خلقه ‏شؤون وشؤون)).‏

التعليق:‏

هذا غير تامّ من جهة التفريق بين نسبة الشفاء إلى السبب، وبين الاعتقاد بالسبب.‏

فقول العسر: إنّ الأطبّاء يقدّمون أفضل العناية وأدقّ العلاجات، فإذا شُفي المريض قيل للعامة: ‏كان الشفاء ببركة تربة الإمام، هذا الكلام يفترض أنّ من نسب الشفاء إلى بركة التربة ينكر دور ‏الطبيب أو يتغافل عنه، مع أنّ هذا الافتراض غير صحيح، ولا يلتزم به أحد من علماء الطائفة. ‏فإنّ المؤمن حين يقول: كان الشفاء ببركة تربة الإمام، لا يريد نفي العلاج، ولا إلغاء دور ‏الطبيب، ولا ادّعاء أنّ التربة عملت وحدها استقلالًا، بل يريد إرجاع النتيجة الأخيرة إلى ما ‏يعتقده من التوفيق الإلهي، مع التسليم بأنّ العلاج كان سببًا من الأسباب.‏

والخلل هنا ناشئ من فهمٍ مادّيّ للسببية، يجعل نسبة الأثر إلى جهةٍ واحدة فقط، وكأنّ الاعتراف ‏بدور الطبيب يمنع من الاعتراف بدور الله سبحانه، أو كأنّ نسبة الأمر إلى البركة تعني إنكار ‏العمل الطبّي. وهذا فهم غير صحيح؛ لأنّ الجمع بين الأمرين جارٍ في كلّ أبواب الحياة. ‏فالإنسان يزرع، ثمّ يقول: أنبت الله الزرع، ويشرب الدواء، ثمّ يقول: شفاني الله، ولا يُعدّ هذا ‏تناقضًا ولا سخرية، بل هو التعبير الطبيعي عن الجمع بين السبب والمسبّب.‏

وأمّا جعل هذا الأمر موضع طرافة وتعجّب، فليس إلّا ناشئًا من نقل البحث من ميدان الفهم إلى ‏ميدان التهكّم. فإنّ من لا يرى إلّا السبب الظاهر يستغرب نسبة الأمر إلى غيره، وأمّا من يرى ‏أنّ الأسباب كلّها مربوطة بإرادة الله عزّ وجل، فلا يرى في ذلك أيّ غرابة.. ومن جعل اختلاف ‏المبنى في فهم السببية مادّة للسخرية، لم يناقش الفكرة، بل تجاوزها إلى أسلوبٍ لا يزيد البحث ‏وضوحًا ولا يقرّبه من الإنصاف.‏

ثم قال في خاتمة كلامه:

((وبالمحصّلة: إنّ الجمع بين التّطبّب الحديث والأساطير الماورائيّة ‏الانتقائيّة الّتي ولّدتها ظروف ‏خاصّة لا يصمد أمام أدنى فحصٍ عقليّ أو علميّ، وما لم نمتلك ‏الشّجاعة للفصل بين الإيمان ‏الشّخصي كحالة وجدانيّة نفسيّة ولو من الأساطير، وما بين الإيمان ‏النّاتج من المنطق العلميّ ‏الصّارم في التحقّق والاختبار، فسنظلّ ندور في الحلقة نفسها، نستهلك ‏عقول النّاس باسم الدّين، ‏ثمّ نبحث عن العلاج عند من نكفّرهم صباحً مساءً، فتأمّل قليلاً تنغم ‏كثيراً، والله من وراء ‏القصد)).‏

التعليق:‏

قوله: إنّ الجمع بين التداوي المعروف وما سمّاه (أساطير ماورائيّة) لا يثبت عند العقل ولا عند ‏العلم، ومبنيّ على افتراض غير صحيح، وهو أنّ كلّ ما كان ماورائيًّا، أي خارجًا عن نطاق ‏الحسّ والتجربة، فهو باطل. وهذا الافتراض لا يقول به العقل؛ لأنّ العقل لا يحصر الوجود ولا ‏التأثير بما يقع تحت أدوات التجربة، ولا يمنع من أن يجعل الله سبحانه لبعض الأشياء آثارًا ‏ماورائيّة لا تجري على سنن الأسباب الظاهرة.‏

فكون الشيء ماورائيًّا لا يجعله باطلًا، كما أنّ كونه غير قابل للفحص التجريبي لا يوجب ‏إنكاره. فإنّ كثيرًا من أمور الدين ـ بل من أصوله ـ ماورائيّة، ولا يقول عاقل إنّ ذلك يوجب ‏ردّها أو إخراجها من دائرة المعقول.‏

ثمّ إنّ وصف هذه المعتقدات الماورائيّة بأنّها وُلدت من ظروف خاصّة، أو من ضعف في ‏المعرفة، كلام لا دليل عليه. فإنّ هذه النصوص لم تصدر في زمنٍ خلا من الطبّ، ولا في بيئةٍ ‏تجهل التداوي، بل صدرت مع وجود العلاج ومعرفته، ولم تُطرح يومًا بوصفها بديلًا عن ‏الطبيب ولا مانعة من مراجعته. فإدخالها في باب الأسطورة الماورائيّة، حكم بلا بيّنة.‏

وأمّا دعوته إلى الفصل بين الإيمان بوصفه حالة نفسيّة ماورائيّة، وبين ما سمّاه إيمانًا قائمًا على ‏‏(المنطق العلمي)، ففيه خلط في معنى الإيمان. فإنّ الإيمان في الدين ليس مجرّد إحساس نفسي، ‏ولا نتيجة تجربة حسّيّة، بل هو تصديق وتسليم بما أخبر به الوحي، وأكثره من شؤون الغيب ‏والماوراء. وحصر الإيمان بما يُختبر إخراج له عن حقيقته، لا تصحيح له.‏

وأمّا قوله إنّنا نستهلك عقول الناس باسم الدين، ثم نطلب العلاج ممّن نُخالفهم في العقيدة، فليس ‏فيه ما يدلّ على تناقض. فإنّ الاختلاف في الاعتقاد لا يمنع من الانتفاع بالخبرة في باب ‏التداوي، كما أنّ مراجعة الطبيب لا تُبنى على الحكم له أو عليه في دينه، بل على كونه أهلًا ‏لهذا الفنّ. وهذا المعنى جارٍ في سيرة المسلمين قديمًا وحديثًا، من غير أن يُفهم منه اضطراب ‏في الموقف أو ازدواج في السلوك.‏

وعليه، فبناء الاعتراض على هذا الوجه إنّما هو خلط بين مقام الاعتقاد ومقام المعاملة، وهما ‏بابان مختلفان، لا تلازم بينهما، ولا يصحّ جعل أحدهما شاهدًا على الآخر.‏

فالحاصل أنّ جعل (الماورائي) مرادفًا للأسطورة خطأ في المبنى، وجعل التجربة قياساً لكلّ ‏شيء خطأ في النظر. ومع هذا الخلط، لا تستقيم النتيجة، ولا يصحّ الحكم ببطلان الجمع بين ‏التداوي والتعبّد، لأنّ هذا الجمع عند العقل والدين أمر مستقيم لا إشكال فيه.‏

مسائل ذات صلة