مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

منذ متى أصبح التفاخر بغير كتاب الله مفخرة؟!

السائل ثامر عبد العزيز النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 368 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما جاء فيها، والشيعة الإمامية الإثنى عشرية هي الطائفة الوحيدة (الشاذة) التي تفتخر وتفرح بأنها لا تملك كتاب صحيح.

الجواب

بسمه تعالى

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

منذ متى أصبح التفاخر بغير كتاب الله مفخرة؟! فإن كانت الأديان والمذاهب تفتخر بصحة كتبها وتعد ذلك مفخرة لها، فالشيعة الإمامية تفتخر باعتقادها أن ليس بعد كتاب اللّه عزّ وجلّ كتاب صحيح، وهذه مفخرة لا تدانيها مفخرة.

فالاعتقاد الصحيح: ليس بعد كتاب اللّه عزّ وجلّ كتاب صحيح خال عن الموضوعات، حتّى الكتب المسمّاة بالصحاح.. ففي صحيح البخاري أكاذيب وأباطيل، وأحاديثه فيها كثير من الصدق وكثير من الكذب، والمرجع في التمييز بين ذلك إلى أهل علم الحديث وعلماء الجرح والتعديل.

نعم، الشيعة الإمامية لديهم تراثاً روائياً ضخماً عن الإمام علي (عليه السلام)، وبقية الأئمة (عليهم السلام)؛ حتى بات هذا التراث المصدر الأساسي للمعارف والفقه لديهم بعد كتاب الله والسنّة النبوية، ومنها الكتب الأربعة المعروفة: الكافي، ومن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار؛ ولكن وجود حديث معيّن في أحد هذه المصادر المعروفة أو الكتب المعتبرة الأخرى لا يدلّ بحال من الأحوال أن الحديث يرقى إلى درجة الاعتبار، بل إنّ لكل حديث سلسلة سند لا بدّ من دراسة رجالها واحداً فواحداً، فإذا كانوا من الثقاة المعتمدين اعتبرنا الحديث صحيحاً، وبدون ذلك فإنه يدخل ضمن الأحاديث المشكوكة أو الضعيفة، وهذه مهمّة يتعهدها أصحاب الاختصاص وعلماء الحديث والرجال. [انظر: عقائدنا، ناصر مكارم الشيرازي، ص61].

فالشيعة لا يعتقدون بوجود كتاب صحيح من الدفة إلى الدفة غير كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما عداه من كتب فأنها تحوي الصحيح وغيره مهما كانت منزلة هذه الكتب أو مصنفيها، وعلى هذا الاساس فان وجود رواية في أي من كتبهم لا تعني بالضرورة أنهم يقولون بصحتها، فقد جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: ((ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف)) [الكافي، ج1، ص117].

وعنه أيضاً (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خطب الناس بمنى فقال: ((أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاءكم عني يخالف كتاب الله فلم أقله)) [الكافي، ج1، ص416].

وعلى هذا الأساس المتين بنى الشيعة الإمامية فقههم وعقائدهم، فمهما بلغ الحديث من صحة الإسناد، فلابد أن يعرضوه على الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

قال الشيخ المفيد في كتابه (تصحيح الاعتقاد): ((وكتاب الله تعالى مقدم على الأحاديث والروايات، وإليه يتقاضى في صحيح الأخبار وسقيمها فما قضى به فهو الحق دون سواه)) [تصحيح الاعتقاد، ص44].

وبناء على ذلك، تميز الشيعة عن أهل السنة في كثير من الأحكام الفقهية، وكذلك في كثير من المسائل العقدية، فأهل السنة يضفون على بعض كتبهم ـ وبخاصة تلك التي يسمونها (الصحاح) وعلى رأسها كتابي البخاري ومسلم ـ رداء القدسية، حتى قالوا عنهما: أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله. [تدريب الراوي، ص91، علوم الحديث، ص14، الخلاصة في أصول الحديث، ص36، مقدمة أبي الصلاح، ص9].

وقالوا عنهما أيضاً: أنه لو حلف رجل بطلاق امرأته على أن كل ما في الصحيحين هو من أقوال وأفعال وتقرير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يحنث، وأن من روى له البخاري فقد جاز القنطرة. [مقدمة فتح الباري، ص381].

فشخصية البخاري لدى معظم علماء أهل السنة توازي شخصية بولس الرسول لدى المسيحيين، حيث يعتبر المسيحيون أن المؤلف الحقيقي للمسيحية بشكلها اليوم، هو بولس الذي كان اسمه شاول قبل أن يعتنق المسيحية، وعلماء أهل السنة تجرأوا على مقارنة صحيح البخاري بكتاب الله المنزل من لدنه على نبيه إلى الناس، هدى ورحمة للمتقين، فقالوا عنه بدون حياء ولا وازع من دين "أنه أصح كتاب بعد كتاب الله" كما حكاه النووي والذهبي وغيرهما، فالمقارنة بين القرآن الالهي المصدر، الكلي والشمولي، صيغة ومحتوى، مبنىً ومعنىً، والمعجز في كل تفاصيله، وبين كتاب بشري المصدر، فيه ما فيه من الضعف البشري، والخطأ البشري، والنسبية البشرية، يعتبر تعدٍ على حرمة كلام الله، وكأنهم لم يقرأوا قوله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء:82]. فبمقتضى هذه الآية فان الكتاب الوحيد الذي لا اختلاف فيه هو القرآن، ويدخل في عموم كل الكتب ما سوى القرآن الكريم بما فيها صحيح البخاري أيضا، لكن العقلية المقلدة المقدسة للأساطير اعتبرت أن كل ما ورد في صحيح البخاري صحيح.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة