مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

أمن العدل أن يُسأل عالمُ الدين عن اختراع الآلة؟

السائل فارس النشر القراءة 2 دقيقة المشاهدات 23 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

قل لنا يا سيد ماذا قدّمت عمائم الحوزة؟ هل صنعت موبايلًا؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

إنّ هذا السؤال: (ماذا قدّمت عمائم الحوزة؟ وهل صنعت موبايلًا؟) سؤالٌ فاسدُ المبنى، ‏مضطربُ الاتجاه، لأنّه يقوم على قياسٍ بين أمورٍ لا يجمعها جامع، ويطلب من كلّ جهةٍ ما ليس ‏من شأنها.. فليس من وظيفة الحوزة أن تصنع الأدوات، كما ليس من وظيفة المهندس أن يُفتي ‏في الحلال والحرام، ولا من عمل الطبيب أن يفسّر القرآن؛ فلكلّ علمٍ ميدانه، ولكلّ فنٍّ غايته، ‏ومن الجهل أن يُسأل الإنسان عمّا لا يدخل في دائرة اختصاصه.. فالطبيب يعالج الأبدان، ‏والفلكيّ يبحث في الآفاق، والمخترع يطوّر الآلات، وأمّا الحوزة فإنّها تُعنى ببناء الإنسان من ‏باطنه، فتبني العقول الواعية، والقلوب المؤمنة، والنفوس المهذّبة، لتقيم بها صرح الدين، ‏وتُثبّت بها قواعد الإيمان، وتضمن سلامة المجتمع الإسلامي في فكره وسلوكه.

فالحوزة أو العمامة لم تُجعل لتُنتج الموبايلات والتلفزيونات والآلات، بل لتُنتج الضمير الحيّ ‏والعقل الواعي.. فهي التي علّمت الناس معنى التكليف، وميّزت لهم بين الطاعة والمعصية، ‏وبها حُفظت بيضة الإسلام من تحريف المبطلين وتبديل الجاهلين، وارتفع لواء العلم والإيمان ‏جيلاً بعد جيل، وهي التي أنجبت العلماء والمصلحين والمجاهدين الذين دفعوا عن الأمّة موجات ‏الانحراف والضلال، فكانت الحوزة مصنعًا للعقول والقلوب، لا للأجهزة والآلات.‏

ومن الخطأ أن يُقاس أثر الحوزة بما يُقاس به أثر المصانع والمختبرات، لأنّ ما تبنيه العمامة ‏في داخل الإنسان هو الذي يوجّه حركة تلك المصانع ذاتها.. فالموبايل الذي يُفاخر به الناس قد ‏يكون وسيلةَ هدايةٍ أو أداةَ فساد، والفيصل في ذلك هو الضمير الذي تُنشئه الحوزة في الإنسان.. ‏فهي التي تجعل العلم في خدمة الحقّ لا في خدمة الهوى، وتجعل الاكتشاف طريقًا للبناء لا ‏وسيلةً للهدم، لأنّ العلم بلا إيمانٍ سلاحٌ أعمى، والتقنية بلا وعيٍ هيكلٌ بلا روح.‏

فالموبايل يقرّبك من الناس، وأمّا الحوزة فتقرّبك من الله سبحانه..‏

الموبايل يخدم الجسد، والعمامة تخدم الروح.. ‏

الموبايل وسيلةُ دنياك، والعمامة سبيلُ آخرتك..‏

وهذه المفاضلة لا يدركها إلّا من نظر بعين البصيرة، لا بعين الغفلة.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة