
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يوجد سؤال قد يختلف فيه البعض وهو في ما يخص جمع القرآن الكريم فمن جمعه وفي أي وقت وعلى يد من فالكثيرون يروون أنه جمع في عهد أبي بكر أو عثمان وهذا ليس من المنصف.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
إذا رجعنا إلى حديث الثقلين الصحيح الثابت المتواتر المتسالم عليه المروي عن بضع وعشرين صحابيا كما في الصواعق المحرقة، ص 136: ((إني تارك أو مخلف فيكم الثقلين، أو: الخليفتين. ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)).. سنجد النتيجة واضحة كالشمس في رابعة النهار، وهي أن هذا القرآن قد جمعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته.. فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أشار في حديث الثقلين إلى قرآن كان قد جمعه هو في حياته، وهذا خلاف أهل السنة الذين يقولون أنّ الذي جمع القرآن ورتبه هم الصحابة.. وبالتالي فهم لا يقدرون على تعيين القرآن الذي أراده النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث الثقلين لأمته أن تتمسك به، هل هو القرآن الذي جمعه عثمان أو الذي جمعته عائشة أو الذي جمعه ابن مسعود أو الذي جمعه أبي بن كعب أو...
وقد تعرض السيد الخوئـي (قدس سره) في كتابه "البيان في تفسير القرآن" إلى هذه المسألة بعد أن ذكر عدة روايات تشير إلى أن جمع القرآن كان بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم )، أي في عهد الخلفاء من بعده، قال (قدس سره): ((هذه هي أهم الروايات التي وردت في كيفية جمع القرآن، وهي - مع أنها أخبار آحاد لا تفيدنا علما - مخدوشة من جهات شتى)) ثم ذكر ابرز جهات الخدش، أنّ هذه الروايات يناقض بعضها بعضا، حيث قال (قدس سره): ((إنها متناقضة في أنفسها فلا يمكن الاعتماد على شيء منها... ظاهر الرواية الثانية أن الجمع كان في زمن عثمان، وصريح الروايات الأولى، والثالثة، والرابعة، وظاهر البعض الآخر أنه كان في زمان أبي بكر، وصريح الروايتين السابعة، والثانية عشرة أنه كان في زمن عمر)).
ثم خلص (قدس سره) إلى القول: ((أن القرآن كان قد جمع وكتب على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد روى جماعة، منهم ابن أبي شيبة وأحمد بن حنبل، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والضياء المقدسي عن ابن عباس. قال: قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر: " بسم الله الرحمن الرحيم "؟ ووضعتموهما في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مما يأتي عليه الزمان ينزل عليه السورة ذات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما أنزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: "بسم الله الرحمن الرحيم" ووضعتهما في السبع الطوال.[ منتخب كنز العمال ج ٢ ص ٤٨]، وروى الطبراني، وابن عساكر عن الشعبي، قال: "جمع القرآن على عهد رسول الله - ص - ستة من الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، وأبو الدرداء، وسعد بن عبيد، وأبو زيد وكان مجمع بن جارية قد أخذه إلا سورتين أو ثلاث".[ المصدر السابق ج 2 ص 52]، وروى قتادة، قال: "سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد".[ صحيح البخاري باب القراء من أصحاب النبي - ص - ج 6 ص 202]، وروى مسروق: ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود، فقال: "لا أزال أحبه، سمعت النبي - ص - يقول: خذوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ، وأبي بن كعب" . [المصدر السابق]، وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر، قال: "جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة، فبلغ النبي - ص - فقال: أقرأه في شهر... ". الاتقان النوع 20 ج 1 ص 124)). [البيان في تفسير القرآن، ص249-251].
ودعوى وجود روايات تصرح بأن القرآن جمع على عهد أبي بكر، ردها السيد الخوئـي (قدس سره) بقوله: ((إن هذه الروايات - أي روايات جمع أبي بكر للقرآن - مخالفة لما أجمع عليه المسلمون قاطبة من أن القرآن لا طريق لإثباته إلا التواتر، فإنها تقول: إن إثبات آيات القرآن حين الجمع كان منحصرا بشهادة شاهدين، أو بشهادة رجل واحد إذا كانت تعدل شهادتين، وعلى هذا فاللازم أن يثبت القرآن بالخبر الواحد أيضا، وهل يمكن لمسلم أن يلتزم بذلك؟ ولست أدري كيف يجتمع القول بصحة هذه الروايات التي تدل على ثبوت القرآن بالبينة [وهي قول شاهدين]، مع القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، أفلا يكون القطع بلزوم كون القرآن متواترا سببا للقطع بكذب هذه الروايات أجمع؟ ومن الغريب أن بعضهم كابن حجر فسر الشاهدين في الروايات بالكتابة والحفظ. وفي ظني أن الذي حمله على ارتكاب هذا التفسير هو ما ذكرناه من لزوم التواتر في القرآن. وعلى كل حال فهذا التفسير واضح الفساد من جهات:
أما أولاً: فلمخالفته صريح تلك الروايات في جمع القرآن، وقد سمعتها.
وأما ثانياً: فلأن هذا التفسير يلزمه أنهم لم يكتبوا ما ثبت أنه من القرآن بالتواتر، إذا لم يكن مكتوبا عند أحد، ومعنى ذلك أنهم أسقطوا من القرآن ما ثبت بالتواتر أنه من القرآن. [الاتقان - النوع 18 ص 100].
وأما ثالثاً: فلأنّ الكتابة والحفظ لا يحتاج إليهما إذا كان ما تراد كتابته متواترا، وهما لا يُثبتان كونه من القرآن، إذا لم يكن متواترا. وعلى كل حال فلا فائدة في جعلهما شرطا في جمع القرآن. وعلى الجملة، لا بدّ من طرح هذه الروايات، لأنها تدل على ثبوت القرآن بغير التواتر، وقد ثبت بطلان ذلك بإجماع المسلمين)) [التبيان في تفسير القرآن، ص256].
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
