مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

من هم أولو الأمر من بعد النبي (صلى الله عليه وآله)؟

السائل طالب اللامي النشر القراءة 7 دقيقة المشاهدات 321 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

قوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، فمن هم أولو الأمر في الآية؟ هل هم العلماء أو الحكام، أو الصحابة من الخلفاء أو أئمة الشيعة؟ وكيف يُستدل بالآية على المراد بأحد المذكورين في ما ثبت بالدليل الواضح؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

في البدء لا بد أنْ نبين أنّ الآية الكريمة توجّه نداءً للمسلمين بأمورٍ ثلاثةٍ يجب عليهم امتثالها:

الأول: تبدأ الآية (59، من سورة النساء) بإصدار أمر الطاعة للّه سبحانه والإذعان لأوامره ﵟأَطِيعُواْ اللّهَﵞ؛ إذ إنّه سبحانه مُوجدُ هذا الكون ومدبّره، وهو سبحانه المنظّم والمشرّع لهذا الكون.

الثاني: تضيف الآية أمرًا ثانيًا، لكنّه من سنخ الأمر الأوّل، وهو: {أَطِيعُواْ الرَّسُولَ}، فهذا أمر واضح بطاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو مبلّغ رسالة الله سبحانه إلى خلقه وواسطته معهم، والذي أمْرُه أمْرُ اللّه، ونهْيه نهْي اللّه، المعصوم من كلّ خطإ وزلل، حتى قال تعالى فيه: ﵟوَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىﵞ [النجم:3-4]، ولمّا كانت طاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) واجبة، لاكتسابها الوجوب من كونه رسولًا للّه، وكون اللّه عزّ وجلّ أمَرَ بطاعته، وجب على الناس الأخذ بما آتاهم والانتهاء عما نهاهم عنه، فقال عزّ ذكره: ﵟوَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواﵞ[الحشر:7]. وبهذا تكون طاعته طاعةً للّه سبحانه، ومخالفته مخالفةً للّه، فيقول عزّ من قائل: ﵟمَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاﵞ [النساء:80].

الثالث: إطاعة أولي الأمر، وهو من سنخ الأمر الأوّل والثاني، فقوله تعال: ﵟوَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْﵞ، هو أمر بطاعة أُولي الأمر الذين جاء ترتيبهم في الآية بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذه الفقرة من الآية تقضي بتعيين المرجع الشرعي والحقيقي للمؤمنين بعد رسول اللّه، وهم أُولو الأمر الذين أمر اللّه بطاعتهم.

والحاصل أن الآية أمرت بإطاعة اللّه سبحانه، كما أمرت بإطاعة الرسول وأُولي الأمر، ولكنْ بتكرار الفعل (وأَطيعُوا الرَّسُول)، فعُلمَ من ذلك أنّ طبيعة الإطاعتين مختلفة، فإطاعته سبحانه واجبة بالذات، وإطاعة النبي وأُولي الأمر واجبة بإيجاب منه سبحانه وتعالى، وبما أنّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الأمر إطاعة مطلقة، دون أن تكون محصورة بأي قيد أو شرط (أي: أطيعوهم إذا لم يأمروا بالمعصية، ولا تطيعوهم إذا أمروا بها)، فإطاعتهم مطلقة، ومنه يحصل القطع واليقين أنّ أولي الأمر -المشار إليهم في الآية والذين وجبت طاعتهم على الإطلاق- معصومون من المعصية والزلل، كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأن الإطاعة المطلقة توجب العصمة.

وبعبارة أُخرى: أنّه سبحانه أوجب طاعتهم على الإطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن توجب طاعة أحد على الإطلاق إلّا من ثبتت عصمته، وعلم أنّ باطنه كظاهره، وأُمِن منه الغلط والأمر بالقبيح، وليس ذلك بحاصلٍ في الأمراء، ولا العلماء، جلّ اللّه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول والفعل؛ لأنه محال أن يطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. [مجمع البيان، ج3، ص100].

ومن هنا نجد أن الفخر الرازي يقول في تفسيره عند بيان عصمة أولي الأمر، هذا التفسير الذي جاء في سياق الطاعة المطلقة الواردة في الآية الكريمة: ((أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومَن أَمَر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ وأن يكون معصومًا عن الخطأ؛ إذ لو لم يكن معصومًا عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرًا بفعل ذلك الخطأ، والخطأ -لكونه خطأ- منهيٌّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وإنه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصومًا عن الخطأ)).[تفسير الرازي، ج10، ص44] .

فهذا علَمٌ من أعلام أهل السُّنّة يُذعن لتلك الحقيقة، ويصرّح بدلالة الآية على عصمة أولي الأمر.

فمن هم أولو الأمر الذين ثبتت عصمتهم في الآية؟

هل هم الخلفاء الراشدون؟

والجواب: قال الغزّالي بعد الحكم ببطلان هذا القول، ما نصّه: ((فإنه من يجوز عليه الغلط والسهو، ولم تثبت عصمته عنه، فلا حجة في قوله، فكيف يُحتجّ بقولهم مع جواز الخطأ؟! وكيف ندّعي عصمتهم من غير حجة متواترة؟! وكيف يتصوّر عصمة قوم يجوز عليهم الاختلاف؟! وكيف يختلف المعصومان؟! كيف؟ وقد اتفقت الصحابة على جواز مخالفة الصحابة، فلم ينكر أبو بكر وعمر على من خالفهما بالاجتهاد، بل أوجبوا في مسائل الاجتهاد على كل مجتهد أن يتبع اجتهاد نفسه؟! فانتفاء الدليل على العصمة، ووقوع الاختلاف بينهم، وتصريحهم بجواز مخالفتهم فيه، ثلاثة أدلة قاطعة» [المستصفى، ج1، ص135].

هل هم الأمراء والحكام؟

والجواب: لنفترض جدلًا أن الحكام والأمراء هم ولاة الأمر في الآية، لكن الإشكال الذي يواجه أصحاب هذا الرأي هو:

ماذا لو أصدر هذا الحاكم (أي وليّ الأمر) أمرًا يخالف شريعة اللّه وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبأي الأمرين نلتزم؟ فالآية في بدايتها تقول: {أَطِيعُواْ اللّهَ} وهو أمر بوجوب طاعة اللّه سبحانه، وفي ذيلها تقول: {وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} وهو أمر إلهي بوجوب طاعة أُولي الأمر مطلقًا، ولكنّ وليّ الأمر أصدر أمرًا مخالفًا لأمر اللّه، فبأي الأمرين نأخذ؟ أ نأخذ بأمر اللّه، ونعصي أُولي الأمر المخالفين لأمر اللّه؟ فإن التزمنا بذلك فلن تتحقّق الطاعة المفروضة من اللّه؛ لأنّه سبحانه أمرَنا بطاعة أُولي الأمر مطلقًا.

أو نلتزم أمر أُولي الأمر المخالفين لأمر اللّه، ونعصيه؟ فإننا نكون بذلك قد جوّزنا فعل المعصية بأمر من اللّه تعالى؛ لأنّه أمرنا بطاعة أُولي الأمر، وهذا ما لا يقبله العقل!

قال الزمخشري - وهو من أعيان رجال أهل السنة – في إبطال هذا القول: ((والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق؛ لأن أمراءَ الجورِ اللَّهُ ورسولُه بريئان منهم، فلا يعطفون على اللَّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين اللَّه ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما)) [تفسير الزمخشري -الكشاف-، ج1، ص524].

ويقول - أيضًا - في بيان قوله تعالى: ﵟفردّوه إلى اللَّه ورسولهﵞ، ما نصه: ((أي: ارجعوا فيه إلى الكتاب والسنة. وكيف تلزم طاعة أمراء الجور، وقد جنح اللَّه الأمر بطاعة أولي الأمر بما لا يبقى معه شك، وهو أنْ أمَرَهم أولًا بأداء الأمانات وبالعدل في الحكم، وأمَرَهم آخرًا بالرجوع إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وأمراء الجور لا يؤدّون أمانة، ولا يحكمون بعدل، ولا يردّون شيئًا إلى كتاب ولا إلى سُنة، إنما يتبعون شهواتهم حيث ذهبت بهم، فهم منسلخون عن صفات الذين هم أولو الأمر عند اللَّه ورسوله، وأحق أسمائهم: اللصوص المتغلبة)) [المصدر نفسه].

وبذلك تبَّين أنّ تفسير أُولي الأمر بالخلفاء الراشدين أو الأُمراء والحكام أو العلماء، أمر غير صحيح؛ لأنّ الآية دلَّت على عصمتهم، ولا عصمة لهؤلاء، فلا بدّ في التعرُّف عليهم من الرجوع إلى السُّنَّة، وعند الرجوع إليها نجد أحاديث تصرِّح بنزول الآية في عليّ (عليه السلام)، فقد روى الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل [ج1، ص149]: ((أنّها نزلت في عليّ بن أبي طالب))، وكذا رواها كلٌّ من: أبي حيّان الأندلسي في تفسير البحر المحيط [ج3، ص278]، ومحمّد صالح الترمذي في المناقب المرتضوية [ص56]، والقندوزي في ينابيع المودّة [ص116]، والآمرتسري في أرجح المطالب[ص85].

هذا من حيث المناسبة على أنّ المقصود بعبارة «أُولي الأمر» هوعليٌّ (عليه السلام)، فتكون طاعته واجبة كما هي طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

فالآية تثبت العصمة لعليّ (عليه السلام) خصوصًا، ولأولي الأمر عمومًا؛ إذ إنّ الله قرن طاعة الرسول بالطاعة لأولي الأمر، فلو قلنا بجواز أن يأمر الله بالطاعة لغير المعصوم، فإنّ لازِمه جواز الأمر بالطاعة لمن يمكن في حقّه فعل المعصية، ويستحيل أن يأمر الله تعالى، ويرخّص في اتّباع من يجوز في حقّه العصيان؛ لأنه قبيح بحكم العقل، كما هو الحال في حقّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاتّفاق على عصمته، حذرًا من انقداح الوثاقة في نقله (صلى الله عليه وآله وسلم) للأحكام الإلهيّة «فلو جاز الخطأ عليه لم يبقَ وثوقٌ بما تعبّدَنا الله تعالى به وما كلَّفَناه، وذلك يناقض الغرض من التكليف وهو الانقياد إلى مراد الله تعالى» [كشف المراد، للعلّامة الحلي، ص391].

أ لا ترى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: ((من أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع عليًّا فقد أطاعني، ومن عصى عليًّا فقد عصاني))، هذا الحديث أورده الحاكم في المستدرك، وصحّحه، ووافقه الذهبي في تلخيص المستدرك. [المستدرك على الصحيحين، ج3، ص121].

ونظيره حديث السفينة: ((مَثَل أهل بيتي كَمَثَل سفينة نوحٍ، مَن ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق)) [المستدرك على الصحيحين، ج3، ص151]، أخرجه مسندًا إلى أبي ذر.

إلى غير ذلك من الأحاديث التي تنصُّ على عصمة العترة الطاهرة، فإذًا هذه الأحاديث تشكّل قرينة منفصلة على أنّ المراد من أُولي الأمر هم العترة الطاهرة، وعلى ضوء ذلك فآية التطهير، وحديث الثقلين، وحديث السفينة إلى غيرها من الأحاديث الواردة في فضائل العترة الطاهرة كلّها تدل على عصمتهم.

فبضم القرائن آنفة الذِّكْر إلى هذه الآية يتضح المراد من أُولي الأمر الذين أمر اللّه سبحانه بطاعتهم، وقرن طاعتهم بطاعة الرسول.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة