مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الوضوءُ كما أمرَ اللهُ.. مسحٌ للرجلينِ لا غسل

السائل واحة الغرباء النشر القراءة 6 دقيقة المشاهدات 246 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما ذكره د.حسام النعيمى حول تفسير هذه الآية الكريمة حيث قال: القيام في هذه الآية (إِذَا قُمْتُمْ إلى ‏الصَّلَاةِ) بمعنى الوقوف والتهيؤ للذهاب إلى الصلاة . وفي الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إلى ‏الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلى الْكَعْبَيْنِ) "اغسلوا" ‏تأخذ (وجوهَكم) على أنه مفعول به، عُطف عليه (وأيديَكم) ثم قال (وامسحوا ‏برؤوسِكم) فجاء بهذه الباء قبل "رؤوسكم"، والعلماء يقولون: إنها لترتيب الأفعال، فأنت تبدأ بغسل الوجه، ثم اليدين إلى ‏المرفقين، ثم تمسح الرأس، ثم تُوضَّأ الأرجل. فلما قال (وأرجلَكم) وجاء بها منصوبة، فهي إذن معطوفة على ‏منصوب. وعلى هذه القراءة، أي بنصب (أرجلَكم) يكون المعنى هنا أنّ الأرجل مغسولة، وليست ممسوحة، وليست معطوفة على ‌‏(برؤوسكم) وقد جاء بها منصوبة من أجل الترتيب، وهذه القراءة قرأها عددٌ من القرّاء ‏السبعة بالنصب؛ لأن قراءة الكسر ـ إذا وجدت ـ حُملتْ على المسح على الخفّ، وهذا من المجاز، فأطلق الحالَّ، وهو الخف، وأراد المحَلّ، وهو الأرجل؛ لأن الأرجل حالّة في الخفّ.. وهذا كثير في كلام العرب.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

اختلف القُرّاء في قراءة: "وأرجلكم" فمنهم من قرأ بالفتح، ومنهم من قرأ بالكسر، ومن البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّ تجويزهما يضفي على الآية إبهامًا وغموضًا، ويجعل الآية لغزًا، والقرآن كتاب هداية وإرشاد، وتلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح وجلاء البيان، خصوصًا فيما يتعلّق بالأعمال والأحكام التي يُبتلى بها عامّة المسلمين، ولا تقاس بالمعارف والعقائد التي يختصّ إنعام النظر فيها بالأمثل فالأمثل.

وعلى كلّ تقدير فممّن حقّق مفاد الآية، وبيّنها الاِمام الرازي في تفسيره، قال: حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله: "وأرجلكم" وهما:

الاَوّل: قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم ـ في رواية أبي بكر عنه ـ بالجرّ.

الثاني: قرأ نافع وابن عامر وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب.

أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح في الرأس، فكذلك في الأرجل.

وقد يعترض معترض، فيقول: لِمَ لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله: "جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" وقوله: "كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مَزَمّلٍ".

الجواب: هذا باطل من وجوه:

1ـ أنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّه يجب تنزيهه عنه.

2ـ أنّ الكسر على الجوار إنّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: "جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ" فإنّ "الخَرِب" لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

3ـ أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف، وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب.

وأمّا القراءة بالنصب فهي أيضًا توجب المسح؛ وذلك لأنّ "برؤوسكم" في قوله: "فامسحوا برؤوسكم" في محل النصب بـ (امسحوا) لأنه المفعول به، ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، وجاز الجر عطفاً على الظاهر.

وبعبارة أوضح: أنّه على قراءة النصب يتعيّن العطف على محل برؤوسكم، ولا يجوز العطف على ظاهر "أيديكم" لاستلزامه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو غير جائز في المفرد، فضلاً عن الجملة.

والمأثورات فيها الحديث ذو شجون، مع كونها متضاربةً في المقام، فلو ورد فيها الأمر بالغسل، فقد جاء فيها الأمر بالمسح، روى ذلك الطبريُّ عن الصحابة والتابعين، نشير إليه على وجه الإجمال.

1ـ ابن عباس، قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

2ـ كان أنس إذا مسح قدمَيه بلّهما، ولمّا خطب الحجّاج، وقال: ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه في قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، قال أنس: صدق اللّه، وكذب الحجّاج، قال اللّه: "وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين" وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.

3ـ عكرمة، قال: ليس على الرجلين غسل، وإنّما نزَل فيهما المسح.

4ـ الشعبي، قال: نزل جبرئيل بالمسح، وقال: أ لا ترى أنّ التيمّم أن يُمسَحَ ما كان غسلاً، ويُلْغى ما كان مسحاً.

5ـ عامر: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل بالوضوء، وأُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء: الرأس والرجلان. وقيل له: إنّ أُناساً يقولون: إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين، فقال: نزل جبرئيل بالمسح.

6ـ قتادة: في تفسير الآية: افترض اللّه غسلتين ومسحتين.

7ـ الأعمش: قرأ "وأرجلكم" مخفوضة اللام.

8 ـ علقمة: قرأ "أرجلكم" مخفوضة اللام.

9ـ الضحاك: قرأ "وأرجلكم" بالكسر.

10ـ مجاهد: مثل ما تقدّم [تفسير الطبري، ج6، ص82 و83].

وهؤلاء من أعلام التابعين، وفيهم الصحابيان: ابن عباس وأنس، وقد اتفقوا على المسح وقراءة الجر الصريحة في تقديم المسح على الغسل، وجمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة، فلماذا أُعرضوا عنهم في هذا المجال الحساس في عبادة المسلم؟!

وفي ضوء هذه الروايات والمأثورات يثبت أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان [‌للاستزادة يُنظر: الاعتصام بالكتاب والسنة، ص9، للعلامة السبحاني].

فالقرآن الكريم جاء بالمسح لا الغسل، قال ابن حزم في "المحلى": ((مسألة: وأما قولنا في ‏الرجلين فإن القرآن نزل بالمسح. قال الله ‏تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ}، وسواء قرئ ‏بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال ‏عطف على الرؤوس: إما على اللفظ وإما على الموضع، ‏لا يجوز غير ذلك؛ لأنه لا يجوز أن ‏يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدأة.

وهكذا جاء ‏عن ابن عباس: نزل القرآن ‏بالمسح - يعني في الرجلين في الوضوء - وقد قال بالمسح على ‏الرجلين جماعةٌ من السلف، ‏منهم علي بن أبي طالب وابن عباس والحسن وعكرمة والشعبي ‏وجماعة غيرهم، وهو قول ‏الطبريّ، ورُويت في ذلك آثار. منها أثرٌ من طريق همام عن إسحاق بن ‏عبد الله بن أبي طلحة، ‏ثنا علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه عن عمه - هو رفاعة بن رافع - أنه سمع ‏رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم يقول: إنها {لا تجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ‏عز وجل، ثم ‏يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين}. وعن إسحاق بن ‏راهويه، ‏ثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن عبد خير عن علي " كنت أرى باطن القدمين ‏أحق ‏بالمسح حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح ظاهرهما")) [المحلى، لابن حزم، ‏ج2، ‏ص56].‏

علاوة على ذلك، فإنه لم يثبت تواتر الأخبار المعارضة لحكم المسح في القرآن، بل الثابت أنها ‏أخبار ‏آحاد كما شهد به الرازي وغيره.‏

قال الرازي في (مفاتيح الغيب): ((فثبت أن قراءة "وأرجلكم" بنصب اللام توجب المسح أيضًا... ‏ولا ‏يجوز دفع ذلك بالأخبار؛ لأنها بأسرها من باب الآحاد)) ‌‏[مفاتيح الغيب، ج11، ص161‏]. ‏

والأخبار بالغسل أخبار آحاد معارضة بأخبار كثيرة من السُّنة نفسِها، ورد فيها لزوم المسح ‏على ‏الرجلين، كالحديث الوارد عن رفاعة بن رافع أنه كان جالسًا عند رسول الله (صلى الله ‏عليه ‏وآله وسلم) فقال: ((إنّها لا تتم صلاةٌ لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمر الله، يغسل وجهه ويديه ‏إلى ‏المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين)) [صحيح الترغيب والترهيب، ‏للألباني، ‏ص208‏].‏

فقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هنا: ((إنّها لا تتم صلاةُ أحدٍ حتى يسبغ الوضوء ‏كما أمر ‏الله)).. فيه تأكيد على أن المسح على الرجلين هو أمر الله سبحانه وتعالى، وبدونه لا تتم الصلاة، ‏وهذا التأكيد ينفي صحة الادعاءات التي تزعم أن الشريعة الإسلامية جاءت بالغسل للرجلين، ‏ويُثبت أن الأمر الإلهي هو المسح، وليس الغسل.‏

وقد علق الشيخ الألباني في ذيل هذا الحديث على قول المنذري: "رواه ابن ماجة بإسناد جيد"، ‏فقال: ‌‏((وهذا يوهم أنه لم يروِه من الستة سوى ابن ماجة، وليس كذلك، فقد أخرجه أبو داود ‏والنسائي ‏والدارمي، وإسنادهم على شرط البخاري، وصححه الحاكم 1: 241، على شرط الشيخين، ‏ووافقه ‏الذهبي، هؤلاء أخرجوه في حديث المسيء صلاته)) [صحيح الترغيب والتهذيب، ‏ص208‏].‏

قال الطبري في تفسيره: ((ما أمر أن يُمسح في ‏الوضوء: الرأس والرجلان: «حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: ‏حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: "يا أيها ‏الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ‏المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلِكم ‏إلى الكعبين" افترض الله ‌غَسلتين ‌ومسحتين»))‌‏ [تفسير الطبري جامع البيان، ج10، ص60، ط دار التربية والتراث].

وعلى هذا تتعارض الروايات عند أهل السنة أنفسهم؛ حيث أن بعضها يقول بالغسل، وبعضها الآخر ‏يقول ‏بالمسح، وعند التعارض المستقر وعدم إمكان الجمع بين المتعارضين يُصار إلى ‏تساقط ‏المتعارضين معًا عن الحجية، وحيث تساقطت الأخبار، يكون المرجع هو كتاب الله ‏العزيز ‏الوارد فيه حكم المسح لا الغسل، وبذلك يثبت المطلوب، أي يثبت لزوم مسح الرجلين في ‏الوضوء دون غسلهما.‏

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة