مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

التشابهُ بين معاويةَ وفرعون في حديث عائشة

السائل إيهاب محمود النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 284 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

سادس الخلفاء معاوية بن أبي سفيان، وكان صاحب فضائل، قد أهملها، وأخفاها كثير ممن كتب عنه، وجانَب فيه الموضوعية والإنصاف، فضلًا عمن غلا في تجريمه، ورماه بالفسق والفجور، فالروافض يخشون انكشاف فضائله وبيانها للمسلمين، وهذا ما أكل أكبادهم.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

نذكر في الجواب عدة نقاط:

الأولى: عن قولك: (سادس الخلفاء معاوية)، فإنّ من المعلوم الثابت عند جميع المسلمين أن معاوية ليس من الخلفاء ولا حتى من الصحابة، قال ابن عبد البر في "جامع بيان العلم" مبينًا أن الخلافة منحصرةٌ في أربعةٍ: ((الخلفاء الراشدون المهديّون: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ، وهم أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم)) [جامع بيان العلم وفضله، ج2، ص1168].

وأما سفيان الثوري فقد أضاف إلى الأربعة عمر بن عبد العزيز، ووصف من سواهم بالمنتزين، فقال: ((لأئمة: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، ‌وما ‌سوى ‌ذلك ‌فهم ‌منتزون)) [المصدر نفسه].

وقد شبّهت عائشة في حديثها معاوية بفرعون، ونفَتْ عنه الخلافة والصحبة من رأس، ذلك لمّا سألها الأسود بن يزيد بقوله: ((قلت لعائشة: أ لا تعجبين لرجلٍ من الطلقاء، ينازع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخلافة؟ فقالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمائة سنة، وكذلك غيره من الكفار)). [تاريخ ابن كثير، ج8، ص131، قال: أخرجه أبو داود الطيالسي وابن عساكر؛ الدر المنثور، ج6، ص19، قال: أخرجه ابن أبي حاتم].

قال العلوي في "النصائح الكافية": إن كلام عائشة فيه إشارةٌ واضحة إلى أمور ثلاثة:

1 - بدلالة مفهوم الصفة المخالف أن معاوية ليس من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله، وقد نقل العلوي النص من الدر المنثور هكذا: (رجلٌ من الطلقاء ينازع أصحاب محمد في الخلافة).

2 - الإشارة بالمثال إلى فجور معاوية.

3 - تشبيهها معاوية بفرعون الذي بيّن الله حاله بقوله تعالى: ﵟوَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ* يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ * وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُﵞ [هود:97-99]. [انظر: النصائح الكافية، ص31].

الثانية: وأما عن قولك (كان صاحب فضائل...)، فانظر إلى ما يقوله أكابر علماء أهل السُّنة والسلفية، فابن قيم الجوزية في "المنار المنيف" يقول: ((ومن ذلك ما وضعه بعض جهلة أهل السُّنة في فضائل معاوية بن أبي سفيان، قال ابن راهويه: لا يصح في فضائل معاوية بن أبي سفيان عن النبي (ص) شيء، قلت: ومراده ومراد من قال ذلك من أهل الحديث أنه لم يصحّ حديثٌ في مناقبه بخصوصه)) [المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ج1، ص116].

وها هو ابن تيمية يقول بوضوحٍ تامٍّ أنّ كلّ ما ورد في فضائل معاوية هو من الموضوعات، فقال ما نصه: ((طائفةٌ ‌وضعوا لمعاوية فضائل، ورووا أحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، كلُّها كذبٌ)) [منهاج السنة النبوية، ج4، ص400].

وها هو الحاكم صاحب المستدرك يقول ثلاثًا: "لا يجيء من قلبي" ذكر فضائل لمعاوية، يقول الدكتور موفق عبد القادر في مقدمته لـ (سؤالات السجزي) عن الحاكم صاحب المستدرك: ((مشكلته مع معاوية، ففي كتاب معرفة الصحابة - الذي يُعد ربع المستدرك - ترجم الحاكم لأكثر من عشر وثلاثمائة رجلًا من الصحابة، ولم يُضمّن كتابه "ذكر مناقب معاوية" أو على الأقل "ذكر معاوية" ليُعرِّف به كما فعل مع كثيرٍ من الصحابة الغير مشهورين)) [سؤالات السجزي، ص18].

وجاء في "تاريخ بغداد" عن أبى عبد الرحمن السلمي، أنه قال: ((دخلت على الحاكم أبي عبد الله، وهو في داره، لا يمكنه الخروج إلى المسجد من جهة أصحاب أبى عبد الله بن كرام، وذلك أنهم كسروا منبره، ومنعوه من الخروج. فقلت له: لو خرجت، وأمليت في فضائل هذا الرجل، يعنى معاوية حديثًا لاسترحت من هذه المحنة؟ فقال: ‌لا ‌يجيء ‌من ‌قلبي، ‌لا ‌يجيء ‌من ‌قلبي ‌لا ‌يجيء ‌من ‌قلبي)) [تاريخ بغداد، ج22، ص145].

وقد ذكر ابن تيمية محنة الحاكم النيسابوري صاحب المستدرك، في منهاجه، فقال: ((وقد طُلِبَ منه أن يروي حديثًا في فضل معاوية، فقال: ما يجيء من قلبي، ما يجيء من قلبي، وقد ضربوه على ذلك، فلم يفعل)) [منهاج السنة، ج7، ص373].

هذا، وقد كان التيار الأموي يسعى جاهدًا لخلق فضائل لمعاوية بن أبي سفيان بشتى الوسائل ولو بلغت حد القتل وإراقة الدماء، يقول الشعبي لابنه: ((ما بنى الدينُ شيئًا إلّا وهدمته الدنيا، وما بنت الدنيا شيئًا إلّا وهدمه الدين، انظر إلى عليّ وأولاده، فإنّ بني أُميّة لم يزالوا يجتهدون في كتم فضائلهم وإخفاء أمرهم، وكأنّما يأخذون بضبعهم إلى السماء. وما زالوا يبذلون مساعيهم في نشر فضائل أسلافهم، وكأنّما ينشرون منهم جيفة)) [شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي، ج2، ص414].

وقد شاعت محنة الإمام النسائي والأسباب التي أدت إلى مقتله، حتى أصبحت كالنار على علم، وذلك لمّا قال لمن سأله عن فضائل معاوية: (ما أعرف له فضيلة)، فقد ذكروا أن النسائي خرج من مصر سنة اثنتين وثلاثمائة إلى دمشق، فسأله أصحاب معاوية من أهل الشام تفضيله على عليّ (عليه السلام) فقال: (أ لا يرضى معاوية رأسًا برأسٍ حتى يفضل عليًّا). وسألوه أيضًا عما يرويه لمعاوية من فضائل، فقال: ما أعرف له فضيلة إلا "‌لا ‌أشبع ‌الله ‌بطنه" فما زال به أهل الشام يضربونه في خصييه بأرجلهم حتى أخرجوه من المسجد، ثم حمل إلى الرملة، فمات بها.

قال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: ((روى أبو عبد الله بن مندة، عن حمزة العقبي المصري وغيره، أن النسائي خرج من مصر في آخر عمره إلى دمشق، فسئل بها عن معاوية، وما جاء في فضائله. فقال: ‌لا ‌يرضى ‌رأسًا ‌برأس حتى يفضل؟ قال: فما زالوا يدفعون في حضنيه حتى أخرج من المسجد، ثم حمل إلى مكة، فتوفي بها. كذا قال، وصوابه: إلى الرملة.

قال الدارقطني: خرج حاجًّا، فامتحن بدمشق، وأدرك الشهادة، فقال: احملوني إلى مكة. فحمل وتوفي بها، وهو مدفونٌ بين الصّفا والمروة، وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وثلاث مائة. قال: وكان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعلمهم بالحديث والرجال)) [سير أعلام النبلاء، ج11، ص82].

‌فهذا الإشكال في الواقع إنما هو تلميعٌ لصورة معاوية ومحاولةٌ يائسة وبائسة للعمل على إخفاء بوائقه وجرائمه بمختلف الأساليب التي لا تُسمن، ولا تُغني من جوع.  

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة