
وجه إلي بعض من إخواننا أهل السنة هذا السؤال: ماذا يعني كلمة شيعه، ولماذا هم ليسوا مذهبا من المذاهب الإسلامية الأربعة، وطالما لم يكونوا منها فهو مؤشر على عدم كونهم من الإسلام.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
نظرا لأهمية السؤال، لا بد من مقدمة مختصرة ينبني عليها الجواب، وهي:
إنّ طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فرض محتم على الناس، كطاعة اللّه تعالى، وهذا من البداهة بمكان، وطاعته لا تتحقق إلا باتباع شرعته، وتطبيق مبادئه الخالدة، وها هو القرآن الكريم يحرض الناس على طاعة النبي (صلى اللّه عليه وآله وسلم)، ويحذر من مغبة عصيانه ومخالفته، فيقول سبحانه: ﵟوَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِﵞ [الحشر:7]. ويقول عزّ وجلّ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب:36]. ويقول سبحانه: ﵟوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌﵞ [النساء:13-14].
وإذا ثبت ذلك، وجب على كلّ الأُمّة الأخذ بما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذه الآيات قائما مقام قول الله عزّ وجلّ، وإذا راجعنا السنة الشريفة وجدنا حديثا صحيحاً ثابتاً متواتراً متسالماً عليه مرويا عن بضع وعشرين صحابياً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يصرح فيه قائلاً: ((إني تارك أو مخلف فيكم الثقلين، أو: الخليفتين. ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)) [الصواعق المحرقة، ص136]، وفي لفظ آخر: ((يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي))، صححه الألباني. [صحيح الترمذي، للألباني، ج3، ص226].
فانصاع لأمر الله تعالى وأمر رسوله الكريم، فريق من المسلمين، فتمسكوا بالثقلين (كتاب الله وعترة النبي)، وهم الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، وهذا التمسك بـ(الكتاب والعترة) ليس مذهبا إسلاميا، بل هو الإسلام بعينه.
ونضم هذه المقدمة إلى الجواب، فنقول:
الشيعة في اللغة بمعنى التابع، وفي الاصطلاح تطلق هذه اللفظة أو التسمية على فريق من المسلمين يعتقدون بأن قيادة الأمة الإسلامية بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هي من حق عترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته، الإمام علي (عليه السلام) وأبنائه المعصومين.
والحري صرف عنان القلم عن الخوض في بيان من هم الشيعة، إلى نقل كلمات أحد المستبصرين، وهو الشيخ محمد مرعي الأنطاكي قاضي القضاة السوري الذي ترك المذهب السني الشافعي والتحق بركب العترة الطاهرة، وعلى أثر ذلك ألف كتابه (لماذا اخترت مذهب أهل البيت) الذي ذاع صيته في الآفاق، وهو أحرى بالإجابة عن سؤال: من هم الشيعة؟
فيقول: ((هم الطائفة الحقة المحقة، والخيرة من خلق الله، والفرقة الناجية التي تمسك بولاء الله ورسوله، والأئمة الأطهار من أهل بيته عليهم صلوات الله، وعرفت حق أئمتها حق المعرفة حسب الإمكان، وعرفت من عاداهم، فأعطت كلا منهم حقه. وهم يعبدون الله وحده لا شريك له ولا مثيل. ويؤمنون برسالة النبي الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وبولاية الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. وبقية الأئمة الأحد عشر: الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، الإمام الحسين الشهيد بكربلاء عليه السلام، الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام، الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام، الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام، الإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام، الإمام الحسن الزكي العسكري عليه السلام، الإمام الحجة المنتظر المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، وسيظهر في آخر الزمان، ويملاء الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت ظلما وجورا))[ لماذا اخترت مذهب أهل البيت، ص٤١- 42].
أما غير الشيعة الإمامية الاثني عشرية، فتركوا التمسك بعترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأخذ عنهم، وتمسكوا بأربعة مذاهب مستحدثة أفتوا بحرمة اتباع غيرها، الأمر الذي ما أنزل الله به من سلطان، قال المقريزي: ((ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة، وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ. فاستمرّ ذلك من سنة خمس وستين وستمائة، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة، وعقيدة الأشعريّ، وعملت لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام، وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم)) [المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، ج4، ص167].
وها هو ابن القيم ينعى مذاهب الصحابة لانحصارها في الأربعة، فيقول: ((ماتت مذاهب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومذاهب التابعين وتابعيهم وسائر أئمة الإسلام، وبطلت جملة إلا مذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الأئمة والفقهاء، وهل قال ذلك أحد من الأئمة أو دعا إليه أو دلت عليه لفظة واحدة من كلامه عليه؟ والذي أوجبه الله - تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة، لا يختلف الواجب ولا يتبدل، وإن اختلفت كيفيته أو قدره باختلاف القدرة والعجز والزمان والمكان والحال فذلك أيضا تابع لما أوجبه الله ورسوله، ومن صحح للعامي مذهبا قال: هو قد اعتقد أن هذا المذهب الذي انتسب إليه هو الحق، فعليه الوفاء بموجب اعتقاده، وهذا الذي قاله هؤلاء لو صح للزم منه تحريم استفتاء أهل غير المذهب الذي انتسب إليه، وتحريم تمذهبه بمذهب نظير إمامه أو أرجح منه، أو غير ذلك من اللوازم التي يدل فسادها على فساد ملزوماتها، بل يلزم منه أنه إذا رأى نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو قول خلفائه الأربعة مع غير إمامه أن يترك النص وأقوال الصحابة ويقدم عليها قول من انتسب إليه)) [إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج4، ص202].
وإذا ما أردت معرفة سبب الانحصار بالمذاهب الأربعة، والاطلاع على التبرير الذي لا يستند إلى نص شرعي، فاقرأ معي ما قاله ابن الصلاح في "نهاية السؤل" لترى العجب من بيان السبب، حيث يقول: ((أنه يتعين تقليد الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهب الأربعة قد انتشرت، وعلم تقييد مطلقها، وتخصيص عامها، ونشرت فروعها؛ بخلاف مذهب غيرهم)) [نهاية السؤل في شرح منهاج الأصول، ج4، ص632].
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
