مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

التعايش السلمي مبدأ حضاري تؤكده الفطرة ويدعمه العقل ويشرعه الإسلام

السائل أكرم الجنابي النشر القراءة 5 دقيقة المشاهدات 253 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ذا العنوان اصحاب الديانات الارضية المبتدعة، الا يعني التعايش عموما التنازل عن المعتقدات والثوابت فان التعايش يقتضي السكوت عن الدعوة الى الاسلام"

الجواب

الأخ أكرم المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أولاً:

التعايش لغةً يعنى العيش المشترك على نحو الألفة والمودة، وفي الاصطلاح أن يكون المجتمع في حالة من الانسجام والسلام حتى لو كان متبايناً عرقياً أو دينياً أو ثقافياً أو غير ذلك، ومن هنا يقال له التعايش السلمي في إشارة إلى حالة السلام التي تسود مكونات المجتمع، وهذا النحو من العلاقات الاجتماعية يمثل ضرورة حضارية من أجل التكامل الإنساني وسلامة مسيرته التاريخية، ولذا اهتم الفلاسفة والمفكرين في تأسيس نظريات اجتماعية وسياسية تعمل على بلورة الأسس والقوانين التي تحقق العيش المشترك بين البشر.

ثانياً:

لم يهمل الإسلام هذا البعد الذي يعد من أهم الركائز الحضارية وإنما عمل على دعمه والدعوة إليه، وإذا تدبرنا في القرآن نجده ميز بين خطابه العام الذي يشمل الناس جميعاً وبين خطابه الخاص للمؤمنين، ففي خطابه العام عمل على تأسيس القواسم المشتركة بين بني البشر، واقام تلك الأسس على مبدأ الإنسانية، أما في خطابه الخاص فقد عمل على تربية المؤمن على أحكام وتكاليف من أجل الارتقاء به اخلاقياً وقيمياً، قال الله تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًاﵞ فقد اكدت الآية على العنصر المشترك الذي يجمع بين البشرية، حيث بدأت الآية بمخاطبة الناس جميعاً في إشارة إلى العنصر الواحد الذي يجمع بينهم، ثم صرحت بان السبب في ذلك رجوع الجميع إلى نفسٍ واحدة، مما يؤكد الطبيعة الواحدة التي ينتفي معها أي تمايز عرقي أو طبقي، والأمر بتقوى الله في الآية لا يمنح المتقي امتيازاً يجعله يتجاوز حدود العيش المشترك، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌﵞ تؤسس الآية بشكل واضح وصريح للتعايش السلمي، حيث جعلت التنوع العرقي بين الشعوب سبباً موجباً للتعارف، ويبدو أن التعارف ليس المقصود به مجرد العلم والمعرفة، وإنما المقصود منه المعرفة المقترنة بالاعتراف، ففي الحديث النبوي (من لم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية) فليس المقصود مجرد معرفته وإنما المقصود الاعتراف بكونه امام الزمان، وعليه تكون الآية دعوة صريحة للاعتراف بهذا التنوع بين بني البشر، والاعتراف هو البذرة الطبيعية للقانون، فمن يعترف بالآخر المختلف معه سوف يعترف بحقه في الوجود، وحقه في الحياة، وحقه في التفكير، وحقه في العيش الكريم، وهكذا تنشأ سلسلة من الحقوق والواجبات، ومن الملاحظ أن الآية ختمت بقوله تعالى ﵟإِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْﵞ مما لا شك فيه أن التقوى قيمة مضافة للإنسان إلا أنها قيمة يتم حسابها عند الله تعالى ولا تسخّر اجتماعياً بحيث يتعالى صاحبها على غيره، ومن هنا نجد أن القرآن كفل لجميع البشر حق الحياة والعيش الكريم على مبدأ إن الإنسان مكرم لإنسانيته، أو لكونه من ذرية آدم بعيداً عن دينه وعرقه ولونه ومنشئه، قال تعالى: ﵟوَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًاﵞ.

ثالثاً:

إذا نظرنا للقرآن في أوامره الخاصة بالمؤمنين نجده ايضاً قد اكد على انصاف المؤمن للآخر المختلف معه، قال تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰﵞ ومن الواضح أن العدالة تمثل القيمة المحورية للعيش المشترك فمن دونها تختل كل النظم الاجتماعية، ومن هنا كان الامر بالعدالة في هذه الآية دليلاً واضحاً على إقامة الحياة الاجتماعية على أساس الانصاف الذي يؤدي إلى السلام الاجتماعي. وفي آية خرى نجد أن الله نهي عن كل العادات السلبية التي تؤدي إلى التنافر بين افراد المجتمعي، مثل التفاخر والسخرية والألفاظ العنصرية، قال تعالى: ﵟيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَﵞ وفقد أمرت الآية المؤمن بعدم السخرية بالأقوام الأخرى، ولم تخصص ذلك في دائرة اتباع الدين الواحد أو القومية الواحدة، وإنما جعلت ذلك مطلقاً بين جميع البشر، كما أنها لم تحصر السخرية في أمور معينة وإنما جعلتها مطلقة، مما يؤكد أنها تشمل السخرية بعقائد الاخرين واديانهم.

وقد صنفت الآيات القرآنية الموقف من الكفار والمخالفين على نحوين، الأول: الكافر المسالم الذي لم يعتدي على المؤمنين، والثاني الكافر المحارب، ففي القسم الأول لم يأمر القرآن بعدم التعدي عليهم فحسب وإنما أمر بحسن معاملتهم إلى درجة البر بهم، قال تعالى: ﵟا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَﵞ. أما القسم الثاني وهو الكافر الذي يعتدي على المؤمنين ويحاربهم في دينهم ويعمل على مصادرة حقوقهم في الحياة، فقد نبهنا القرآن إلى امر فطري وعقلائي وهو ضرورة الابتعاد عنهم وعدم موالاتهم، قال تعالى: ﵟإِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَﵞ.

ويتضح من ذلك أن التعايش السلمي مبدأ حضاري تؤكده الفطرة ويدعمه العقل ويشرعه الإسلام، ولا يعني أبداً أن يتنازل المؤمن عن خصوصياته الاعتقادية، بل لا يمنع التعايش من دعوة الاخرين إلى الإسلام بالحِكمة والموعظة الحسنة كما أمر القرآن بذلك ﵟادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَﵞ فليس في الإسلام مبدأ أو عقيدة تشكل عقبة في طريق التعايش السلمي حتى يضطر المسلم التنازل عنها لتحقيق التعايش، وليس المطلوب في التعايش السلمي اكثر من الاعتراف بحقوق الاخرين وعدم التعدي عليه، وهذا الامر يكفله الإسلام بل يدعو إليه كما اتضح، وعليه لا خوف على الإسلام من الدعوة للعيش المشترك بل يعد فرصة للاقتراب من الأخر لكي يتعرف على كنوز الإسلام ومبادئه السامية واخلاقه الراقية.

ودمتم سالمين

مسائل ذات صلة