
ما جاء في القرآن من دعوةٍ لأخذ الجِزية من أهل الكتاب، وذلك في قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يُحرِّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون}، وفي هذا الأمر القرآني صورةٌ من صوَر الظلم والقهر والإذلال للشعوب التي دخلت في رعَوية الأمة المسلمة.
الجواب
تحية طيبة، وبعد..
في بادئ الأمر لا بدّ من الوقوف على بعض المفردات الواردة في قوله تعالى: ﵟقَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَﵞ [التوبة، آية:29]، كمفردة (الجزية) و(صاغرون)، وبيان حقيقة هاتين المفردتين، فنقول:
«الجزية» مأخوذةٌ من مادة الجزاء، ومعناها المال المأخوذة من غير المسلمين الذين يعيشون في ظلّ الحكومة الإِسلامية، وسُمِّيَت الجزية بهذا الاسم هذه؛ لأنّها جزاءٌ لحفظِ أموالهم وأرواحهم [يُنظر: المفردات في غريب القرآن، للأصفهاني، ص890].
و«الصاغر» مأخوذ من «الصِغَر» على زنة «الكِبَر» وخلاف معناه، ومعناه الراضي بالذلة. والمراد من الآية أنّ الجزية ينبغي أنْ تُدفع في حالٍ من الخضوع للإِسلام والقرآن.
وبتعبيرٍ آخر فإنّ الجزية هي علامة الحياة السِّلمية وقبولِ كون الدافع للجِزية من الأقلّية المحفوظة والمحترَمة بين الأكثرية الحاكمة.
وما ذهب إليه المستشكل من أنّ المراد من الجِزية في الآية هو تحقيرُ أهل الكتاب وإهانتهم والسُّخر منهم، فلا يُستفاد ذلك من المفهوم اللغوي لكلمات الآية، ولا يَنسجم وروحَ تعاليم الإِسلام السّمْحة، ولا ينطبق مع سائر التعاليم أو الدستور الذي وصلَنا في شأن معاملة الأقلِّيّات.
وما ينبغي التنويه به هنا هو أنّ الآية وإنْ ذَكرتْ شرط «الجزية» من بين شروط الذمة فحسب، إلاّ أن التعبير بـ (هم صاغرون) إشارةٌ إجماليّةٌ إِلى سائر شروط الذمّة؛ لأنّه يُستفاد من هذه الجملة بأنّهم ـ مثلًا ـ يعيشون في محيطٍ إسلامي، فليس لهم أن يُظاهروا أعداء الإِسلام، ولا يكون لهم إعلامٌ مضادّ للإِسلام، ولا يقفوا حجرَ عثرة في رقيِّه وتقدّمه، وما إِلى ذلك؛ لأنّ هذه الأُمور تتنافى وروح الخضوع والتسليم للإِسلام والتعاون مع المسلمين.
فالجِزية تُعدّ ضريبةً ماليّة «إسلامية»، وهي تتعلق بالأفراد لا بالأموال ولا بالأراضي، أو بتعبيرٍ آخر: هي ضريبة مالية سنوية على الرؤوس.
وممّا ذكرناه يتّضح أنّ الجزية إعانةٌ مالية فحسب، يقدِّمها أهل الكتاب إزاء ما يتحمّله المسلمون من مسؤوليةٍ في الحفاظ عليهم وعلى أموالهم.
وبناءً على ذلك فإنّ ما زعمه المستشكل من أنّ الجزية صورةٌ من صور الظلم والقهر والإذلال للشعوب التي دخلت في رعَوية الأمة المسلمة، لم يلتفتْ إِلى روحها وحكْمتها وفلسفتها، وهي أنّ أهل الكتاب متى دخلوا في أهل الذمة فإنّ الحكومة الإِسلامية يجب عليها أنْ ترعاهم، وتحافظ عليهم، وتمنعهم من كل أذى أو سوء. وهكذا فإنّ أهل الذمة عند دفعهم الجِزية ـ بالإِضافة إِلى التمتع بالحياة مع المسلمين في راحةٍ وأمان ـ فليس عليهم أيّ تعهّد من المساهمة في القتال مع المسلمين وفي جميع الأُمور الدفاعية ـ ويتّضح أن مسؤوليتهم إزاء الحكومة الإِسلامية أقلّ من المسلمين بمراتب، أي أنّهم يتمتعون بجميع المزايا في الحكومة الإِسلامية بدفعهم مبلغًا ضئيلًا، ويكونون سواءً هم والمسلمون، في حين أنّهم لا يواجهون الأخطار ومشاكل الحرب.
ومن الأدلة التي تؤيِّد فلسفة هذا الموضوع، أنّه يوجد في المعاهدات ـ التي كانت في صدر الإِسلام بين المسلمين وأهل الكتاب في شأن الجزية ـ تصريحٌ بأنّ على أهل الكتاب أنْ يدفعوا الجزية، وفي قبال ذلك على المسلمين أن يمنعوهم (أي يحفظوهم) وأن يدافعوا عنهم إذا داهمهم العدو الخارجي.
وهذه المعاهدات كثيرة، ونورد مثلًا منها، وهي المعاهدة التي تمت بين خالد بن الوليد مع المسيحيين الذين كانوا يقطنون حول «الفرات» وهذا نصها: «هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه، أني عاهدتكم على الجزية والمنَعة، فلك الذّمة والمنَعة، وما منعناكم فلنا الجزية وإلّا فلا، كتب سنة اثنتي عشرة في صفر» [تاريخ الطبري، ج3، ص367].
والذي يسترعي النظر هو أنّنا نقرأ في هذه المعاهدة وأمثالها أنّه متى ما قصّر المسلمون في الحفاظ على أهل الذمة أو لم يمنعوهم، فالجزية تُعاد إليهم أو لا تؤخذ منهم عندئذ أصلًا.
وينبغي الإالتفات إِلى أنّ الجِزية ليس لها مقدارٌ معين، وميزانها بحسب استطاعة من تجب عليهم، غير أنّ المستفاد من التواريخ أنّها عبارة عن مبلغ ضئيل جدًّا يُدفع كلَّ عام، وربّما قُيِّد في المعاهدة أنّ على دافعي الجزية أن يدفعوا بمقدار استطاعتهم جزيةً.
ومن جميع ما تقدم ذكرُه يتّضح أنّ جميع ما أثير من شبهات أو إشكالات في هذا الصدد، باطلٌ لا اعتبار له، ويثبت أن هذا الحكم الإِسلامي حكمٌ عادل ومنصِف. [راجع: تفسير الأمثل، ج5، ص589].
ودمتم سالمين
