
بأي دليل تستدلون على أن القرآن كلام الله المنزل على رسول الإسلام، وليس من تأليفه؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
نستدل أولًا: بعجز البشرية عن الإتيان بمثل القرآن:
فلو افترضنا أنّ محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس نبيًّا مرسلًا من عند الله، وأن القرآن ليس منزلاً من الله، ولا يعدو كونه من تأليفه، وعلى هذا الفرض يتحتم أن يكون غيره قادرا على أن يأتي بأحسن منه أو مثله على الأقل، لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) مهما بلغ يبقى بشرًا، وما جاء به من تأليف فهو نتاج بشر واحد، فأكيدًا أنه سيكون هناك جماعة من البشر لها نتاجات تفوق نتاجه وتفضل عليه.
وعند عدم وجود فرد واحد من تلك الجماعة، له نتاج يفوق ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ويَفْضله، على امتداد التأريخ، وعبر القرون والأحقاب وحتى يومنا هذا، يتيقن كل عاقل أن الذي جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعجزت البشرية عن الإتيان ولو بمثل آية من آياته، أنه من خالق البشر لا من البشر، ولا يماري في ذلك إلا من يهمل عقله، ويسقط من حساب المفكرين.
وها هو القرآن كان وما يزال معلنا تحديه للبشرية جمعاء منذ أربعة عشر قرنًا وحتى يومنا هذا، مبتدئًا بأهل اللغة والفصاحة البلغاء من قريش على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، وقدم صيغ التحدي بألفاظ عجيبة وأسلوب فريد، فقال: ﵟقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًاﵞ [الإسراء: ٨٨]
ثم تحداهم بعد أن عجزوا عن الإتيان بمثله بأن يأتوا بعشر سور من مثله، فقال: ﵟأَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَﵞ [هود:13].
ثم تحداهم بعد أن عجزوا عن الإتيان بعشر سور أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فقال: ﵟوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ الله إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَﵞ [البقرة:٢٣-٢٤].
هذا هو أسلوب التحدي، الذي انتهجه القرآن مع من يدّعي أنه نتاج بشري، وأنه من تأليف محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الأمر الذي يجعلهم مجبرين على أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو يسلموا بإلاهيته إن كانوا طلاب حق، وإلا كانوا مكابرين معاندين ليس إلا، كما هو حال أغلب الكفار.
ومن الثابت والمعروف أن كفار قريش أهل لسان عربي فصيح، وعلى رغم ذلك لم تسعفهم تلك القدرات من الفصاحة والبلاغة، حتى عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن، ولو بسورة واحدة، ولو كانوا قادرين على الإتيان بشيء وإن كان لا يماثله ويدانيه، لما توانوا عنه أبدًا، ولجأوا به من فورهم لصد الناس عن اتباع القرآن، بل لم يجرؤ أحد منهم على التفكير بالمحاولة، ولو كان لبان؛ لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله.
وأما أهل عصرنا هذا لا سيما أهل الإلحاد فهم بلا شك يجهلون لسان العرب فصاحة وبلاغة، ولذلك لا يدركون فصاحة القرآن وبلاغته، ومن المضحكات المبكيات أن أحدهم يعتقد أنه إذا نظّم سجعًا فقد أتى بمثل القرآن، والحق أنه إنما كشف عن جهله بلسان العرب.
وعليه، فمع تحدي القرآن للعرب ووجود الدافع منهم للمعارضة والنقض والتشنيع، وانتفاء المانع ببلوغهم ذروة الفصاحة والبيان، لم ينقل عن أحد منهم أنه طعن في لغة القرآن، أو ادّعى وجود الخطأ والخلل فيه، بل غاية ما قالوا عنه: إنه سحر مفترى.
ونستدل ثانيًا: بإثبات سلامة القرآن من أي خطأ:
فلو افترضنا – أيضًا - أن محمدًا (صلى الله عليه وآله وسلم) هو من ألّف القرآن، وأصبح القرآن نتاجًا بشريًّا، ولكنْ مع ملاحظة أن الكمال ليس من سمة البشر، بل الأصل فيهم الخطأ والزلل، فحتمًا لا بد من وجود الخطأ والخلل في القرآن بصفته نتاجًا بشريًّا، إلا أننا وجدنا أن القرآن الكريم قد بهر العرب ببلاغته، وقهرهم بفصاحته، فسلّم له أساطين البلاغة، وسجد له الفصحاءُ اللسُنُ، واعترفوا بعجزهم عن مجاراته، ولم يتمكنوا من العثور على أي خلل أو خطأ فيه، بل صاروا يَعرضون كلامهم عليه، ويسترشدون به، فجعلوه المعيار والحاكم لكلامهم حين رأوا أنه في أعلى درجات الدقة والرصانة..
ولو كانوا قد عثروا فيه على أي خللٍ أو خطأ لسارعوا إلى اظهاره، وتمسكوا به، ولما سبقهم إلى ذلك أحد، لا سيما، وقد كانت دواعيهم لذلك متوفرة، ولكن الذي حصل أنهم اعترفوا بإعجازه، وخضعوا لفصاحته وبلاغته.
وها هو القرآن الكريم مع طول الزمان، قد سمعه الموافق، والمخالف، والعرب، والعجم، وليس في الأمم من أظهر كتابًا يقرأه الناس، وقال: إنه مثله، يقول: ﵟأَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًاﵞ[النساء:٨٢].
وقد تقول: إن قوله: ﵟولَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًاﵞ، مشعرٌ بوجود الاختلاف القليل في القرآن، وعليه يبقى الإشكال قائمًا طالما أن هناك اختلافًا موجودًا لم يرتفع؟!.
نقول في الجواب عن ذلك:
1 - قوله تعالى: ﵟلَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًاﵞ أي فلا تجد فيه مع هذا الطول كلمة خالية من الفصاحة خارجة عن نظمه وأسلوبه. وأفصح الفصحاء إذا تكلّم بكلام طويل تجد في كلامه أو أشعاره غاية الاختلاف في الجودة والرداءة. وأيضًا لا اختلاف في معانيه، ولا تناقض في مبانيه. ولو كان منتحلًا ومفترى لكثُر فيه التناقض والتضادّ، فإنّ الكاذب تخونه ذاكرته، ويبدو عوّاره.
2 - قوله سبحانه: ﵟاخْتِلافًا كَثِيرًاﵞ، كلمة (كثيرًا) قيد توضيحي لا احترازي، فيكون معنى الآية الكريمة: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا، وكان ذلك الاختلاف كثيرًا على حدّ الاختلاف الكثير الّذي يوجد في كل ما هو من عند غير الله، ولا تهدف الآية إلى أنّ المرتفع عن القرآن هو الاختلاف الكثير دون اليسير.
3 - أنّ الاختلاف الذي تنفيه الآية الكريمة، هو ما إذا كان حقيقيًّا في ظرف الواقع. أما إذا كان شكليًّا وفي ظاهر الأمر - كما بين الناسخ والمنسوخ - فلا تناقضه الآية إطلاقًا، مثلًا: يُشترط في الاختلاف الحقيقي (التناقض) أمورٌ ثمانية، منها: وحدة الزمان ووحدة الملاك والشرط، وإذا تخلف أحدها فلا تنافيَ، ولا اختلاف، كما في الناسخ، ظرفه متأخر، وملاكه مصلحةٌ أخرى، تبدلت عن مصلحةٍ سابقة كانت مستدعية لذلك الحكم المنسوخ، إذن فالتنافي بين الناسخ والمنسوخ بدوي ظاهري، أما بعد التعمق وملاحظة زماني نزولهما والمناسبات المستدعية لنزول الأولى ثم الثانية، فإن هذا التنافي والاختلاف يرتفع نهائيًّا.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
