مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

لماذا أسند القرآن الموت إلى النفس لا إلى الروح؟

السائل ارشد حسن النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 445 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما الفرق بين النفس والروح، ولماذا أسند القرآن الكريم الموت إلى النفس لا إلى الروح؟ اريد الجواب وفق البيان القرآني والروائي‏.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمدٍ وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهداة الأنام.

إنّ مثل هذه المسائل الغيبية لا يثبت فيها القول إلا من طريق الوحي، وقد اعتمدنا في الجواب على ما ورد في كتاب الله الكريم، وما صحّ من أخبار العترة الطاهرة (عليهم السلام).

أولًا: النفس في الاستعمال القرآني، هي حقيقة الإنسان المكلَّفة، المدركة، وهي محلّ الخطاب الإلهي أمرًا ونهيًا، وثوابًا وعقابًا. فهي الذات الباقية بعد الموت، التي تنتقل بين أطوار الوجود: الدنيا، البرزخ، والآخرة. ولهذا جاءت الآيات القرآنية متوجِّهةً إلى النفس في مقام التكليف والجزاء، قال سبحانه: ﵟلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْﵞ [البقرة:286]، وقال: ﵟكُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌﵞ [المدثر:38]، وقال: ﵟوَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَاﵞ [الأنعام:164]، وقال: ﵟيَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةًﵞ [الفجر:27-28]، وقال: ﵟكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِﵞ [آل عمران:185]، وكلها تصرّح بأن المخاطب بالتكليف والمحاسبة والجزاء هو النفس لا الروح.

أما الروح، فهي الأمر الإلهي الذي به قيام الحياة الجسدية، وبه تتصل النفس بالبدن، فإذا خرجت الروح انقطعت الحياة الحسية، وانفصلت النفس عن الجسد وانتقلت إلى عالم آخر.

والروح ليست هي محلَّ التكليف ولا الجزاء، وإنما هي أداة الحياة التي تسخّرها النفس ما دام اتصالها بالبدن قائمًا. وحقيقتها فوق ما أُوتي البشر من العلم، كما قال تعالى: ﵟوَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاﵞ [الإسراء:85]، فهي من عالم الأمر، أي مما خلقه الله تبارك وتعالى ابتداءً بلا وسائط الأسباب المادية، فجعلها سببًا للحياة الجسدية ومظهرًا من مظاهر قدرته.

وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﵟاللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَﵞ [الزمر:42]: قوله: ((ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء، ‏وبقيت روحه في بدنه، وصار بينهما سبب ‏كشعاع الشمس، فإن أذن الله في قبض الأرواح أجابت ‏الروح النفس، وإن أذن الله في رد الروح ‏أجابت النفس الروح، فهو قوله سبحانه: الله يتوفى الأنفس ‏حين موتها)) [تفسير مجمع البيان، ‏للشيخ الطبرسي، ج ٨، ص٤٠٤].

ثانيًا: القرآن الكريم أسند الموت إلى النفس، قال تعالى: ﵟاللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَاﵞ، وقال: ﵟكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِﵞ، ولم يسند الموت إلى الروح، وليس معنى موت النفس فناؤها أو انعدام حقيقتها، بل المراد أنها تذوق حالة مفارقة الروح للبدن، فتنتقل من النشأة الدنيوية إلى النشأة البرزخية.

والموت بالمعنى الدقيق هو خروج الروح من الجسد، غير أن أثره يقع على النفس من حيث انتقالها وانفصالها عن أدواتها الجسدية، وهي التي تدرك هذا الانتقال وتباشره، فلذلك أُسند إليها.

ثالثًا: النفس تبقى حيّة مدركة في البرزخ، كما قال تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون} [المؤمنون:100]، فهي التي تُنعَّم أو تُعذَّب بحسب عملها، حتى تُعاد إلى الجسد يوم القيامة.

وأما الروح التي كانت سبب الحياة الجسدية فقد فارقت البدن عند الموت، فلا أثر لها فيه بعد ذلك إلا عند البعث.

والنوم نموذج واضح لقبض النفس دون خروج الروح، قال تعالى: ﵟاللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّىﵞ [الزمر:42]. ففي النوم تُقبض النفس عن إدراكها، وتبقى الروح في الجسد محافظة على حياته، فإذا رُدّت النفس عاد الإدراك، وإذا أُمسكت كان الموت التام.

والخلاصة، أن الموت في حقيقته خروج الروح من الجسد، فتتوقف به الحياة الجسدية، والنفس لا تفنى بالموت، وإنما تنتقل من الدنيا إلى البرزخ، وهي التي تذوق هذا الانتقال وتدركه، وتبقى إلى أن تعاد إلى الجسد يوم القيامة.. ولهذا كان إسناد الموت إلى النفس في القرآن من باب إسناد الفعل إلى من يباشره أثرًا وشعورًا، لا من باب فناء الذات وانعدامها.

فهذا هو الذي وقفنا عليه من البيان القرآني والروائي، ولم نشِر إلى ما قد يَرِد في بعض الاستعمالات من إطلاق الروح وإرادة النفس، دفعًا لما قد يسببه ذلك من عدم وضوح لدى السائل والقارئ.

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة