مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الاختلاف بين الناس سُنّة إلهية وحكمة ربانية

السائل سلام عمرو النشر القراءة 4 دقيقة المشاهدات 437 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ما نظرة الإسلام حيال الاختلاف الموجود بين الناس في الأديان والمذاهب؟ وما حلوله وضوابطه؟ ترى هل شرع لهم الاختلاف والتفرُّق، وإذا لم يشرع ذلك فما هي نظريته؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..

الاختلاف بين الناس في العقائد والاتجاهات والميول والأشكال والألوان سنّة إلهية وحكمة ربانية صرّح القرآن الكريم بها حين يقول تعالى: ﵟوَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْﵞ [هود: 118و119].

وقد سنّ المولى سبحانه لعباده المؤمنين أسس التعايش مع غيرهم، فبيّن أنّ الأساس في المجتمع البشري هو التعارف والتفاهم، وليس الحرب والتنافر، فقال عزّ من قائل: ﵟياأيّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْﵞ [الحجرات:13].

وعند دعوة الآخر إلى العقيدة، فقد أمر سبحانه بأن تكون الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، فقال تعالى: ﵟادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَﵞ [النحل:125].

وقد أمر سبحانه ببر المخالف للمسلمين في الدين والعقيدة وبالتعامل العادل معهم، فقال عز من قائل: ﵟلَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَﵞ [الممتحنة:8].

وكان النهي عن التواصل والبر مقتصرًا على أهل الحرب والعداوة والظالمين للمسلين فقط، فقال تعالى: ﵟإِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَﵞ [الممتحنة:9].

وأَنعِم النظر في قوله تعالى، وهو يحكي قول نبيّه شعيب (عليه السلام) لقومه: ﵟوإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَﵞ. [الأعراف:87].

فهنا تجد بشكل واضح وصريح دعوة نبيّ الله شعيب (عليه السلام) للتعايش بين قومه، سواء اتفقوا جميعاً على قول واحد أو اختلفوا في ذلك، فالصبر على هذا الاختلاف وإيكال أمره إلى الله سبحانه وعدم إعلان حرب الإبادة للآخر هو من أجلى المعاني التي تصدع بها هذه الآية الكريمة.

وهكذا تجد غير هذه الآيات العشرات من الآيات الكريمة التي تحثّ على التعايش والسلم بين المختلفين ونبذ التنابز والتقاطع والتدابر، إلا في حالات محدودة هي حالات الاعتداء والظلم، التي أذن المولى سبحانه للمؤمنين بالردّ على من يعتدي عليهم ويظلمهم حتى لا يطمع في التجاوز عليهم أكثر من ذلك، فإنّ العزّة لله ورسوله والمؤمنين.

وفي السنّة النبوية نجد التشديد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على من يظلم معاهدًا أو ذميًّا أو ينتقصه، فقد جاء عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): ((ألاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أو انْتَقَصَهُ، أوْ كَلَّفهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أوْ أخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة)) [سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج1، ص729].

وهذا العدل والتسامح والإنصاف ورثه أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وطبّقوه في حياتهم عمليًّا، فقد حكي بأنّ عليًّا أمير المؤمنين (عليه السلام) افتقد درعًا كانت عزيزةً عنده، فوجدها عند يهودي، فقاضاه إلى قاضيه شريح، وعليٌّ يومئذٍ هو الخليفة والحاكم للبلاد، فسأل شريح أمير المؤمنين عن قضيته، فقال: الدرع درعي، ولم أَبِع، ولم أهب، فسأل شريح اليهودي: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ فرد هذا متلاعبًا: الدرع درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب - يريد أن يمسك العصا من منتصفها- فالتفت شريح إلى أمير المؤمنين: هل من بينة؟!. فلم يظهر أمير المؤمنين (عليه السلام) شهودًا له سوى دعواه بأنّ الدرع له، فحكم شريح بالدرع لليهودي لعدم وجود البيّنة، فأخذ الرجل الدرع، ومضى، وهو لا يكاد يصدّق نفسه، ثمّ عاد بعد خطوات ليقول: يا الله.. أمير المؤمنين يقاضيني إلى قاضيه فيقضي عليه؟!. إنّ هذه أخلاق أنبياء.. أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله. الدرع درعك يا أمير المؤمنين، خرجتَ من بعيرك الأورق، فاتبعتها، فأخذتها. فقال له عليّ (عليه السلام): أمَّا إذا أسلمت فهي لك!. [انظر: رجال أنزل الله فيهم قرآنًا، العريفي، ص39].

وبهذه الأخلاق الرفيعة والسجايا العالية نفسها جاءتنا الوصايا من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في التعامل مع من يخالفنا في الدين أو العقيدة.

فقد روى الكليني في الصحيح، عن معاوية بن وهب، قال: ((قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا، وفيما بيننا وبين خلطائنا من الناس؟ قال: فقال: تؤدون الأمانة إليهم، وتقيمون الشهادة لهم وعليهم، وتعودون مرضاهم، وتشهدون جنائزهم)) [وسائل الشيعة، ج12، ص5، ح1].

وفي الصحيح عن عبد الله بن سنان، قال: ((سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: أُوصيكم بتقوى الله، ولا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلّوا، إن الله عزّ وجل يقول في كتابه: (وقولوا للناس حسنًا) ثم قال: عودوا مرضاهم، واحضروا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلّوا معهم في مساجدهم)) [المصدر السابق، ص7، ح6].

وعن معاوية بن عمار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ((وطّن نفسك على حسن الصحابة لمن صحبت، في حسن خلقك، وكفّ لسانك، واكظم غيظك، وأقلّ لغوك، وتغرس عفوك، وتسخو نفسك)) [المصدر السابق، ص9، ح2].

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة