
لا تسأل! لا تفكِّر! لا تناقش! لا تحاور! لا تقرأ! لا تبحث!.. هذه ليست قوانين كوريا الشمالية، هذه قوانين وضعها المعمَّمون في الحوزات الشيعية لعوامّ الشيعة.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
ما ورد في نص الاستشكال يتوقَّف صدقُه على الدليل، وإلا فهو مجرَّد دعوى، وهيهات أنْ تُحقِّق الادّعاءات نفعًا أو تقيمَ لأصحابها وزنًا، وسيتبيَّن لنا في الآتي أنّ الكاتب يشبِه إلى حدٍّ كبير الشخص الذي يلقي سهمًا صوب السماء، ليعود بسقوطٍ مدوٍّ على رأسه.
ودائمًا ما تدفعنا مزاعم هؤلاء (السلفيّة) المغيَّبة عقولهم، نحو استكشاف نقاطِ ضعفِهم الحسّاسة، وإلقاء الضوء على الجوانب الخفيّة في معتقَدهم التي لم نكن لندركَها لولا مداخلاتهم التي تُظهر لنا ضحالة الأساس الذي يبتني عليه منهجهم الفكري والعقَدي، فاستخدام سياسة المنهج الكهنوتي في بسط الهيمنة على المجتمع الإسلامي فكريًّا وعقَديًّا، لا يُنكر فعليّته - في الأوساط السنِّية السلفية - أحدٌ من المسلمين في شرق الأرض ومغربها، وحرص السلطتين الدينية والسياسية على ذلك حتى لو أدّى إلى إراقة الدماء.
فالمستشكل هنا يعكس لنا معاناته المذهبية وعيوبه الفكريّة والعقَدية، وذلك بإلصاقها بالشيعة الإمامية وحوزاتهم العلمية، وعلى ضوء مقولة "كلٌّ يرى الناس بعين طبعِه"، ندرك أنه لا يمكن التوقُّع من شخصٍ يعاني من تلك العيوب الفكرية والعقَدية أن يكون قادرًا على رؤية الآخرين بنقاء العقيدة والفكر.
فواحدةٌ من تلك العيوب الفكرية والعقَدية والمعاناة المذهبية التي ألمتْ بالمجتمع الإسلامي ـ لا سيما المذاهب السنِّية ـ هي المنع من الخوض في ما جرى بين الصحابة من الفِتن والتقاتل، وفرض السكوت والإمساك عن ذلك على كلِّ مسلم، وخلافُه يُحكم عليه بالخروج عن ملّة الإسلام، أو يُقتل، فقد قال الذهبي في "السِّيَر": ((تقرَّر الكفُّ عن كثيرٍ مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله عنهم أجمعين، وما زال يمرّ بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء... فينبغي طيّه وإخفاؤه بل إعدامه ... وكتمان ذلك متعيّن عن العامة وآحاد العلماء)) [سير أعلام النبلاء، للذهبي، ج10، ص92-93].
وجاء في كتاب «السُّنة» للخلال، بسند صحيح. قيل للإمام أحمد: ((ما تقول في من زعم أنه مباحٌ له أن يتكلّم في مساوي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو عبد الله: هذا كلامٌ رديء، يجانبون هؤلاء القوم، ولا يجالَسون، ويبيَّن أمرهم للناس)) [السنة، لأبي بكر بن الخلال، ج2، ص423].
وجاء في "شرح لامية ابن تيمية": ((من الخطأ أن تلقى دروسٌ ومحاضرات في خلاف الصحابة رضي الله عنهم)) [شرح لامية ابن تيمية، ج7، ص4].
قال القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": ((لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به؛ إذ كانوا كلهم اجتهدوا في ما فعلوه، وأرادوا الله - عز وجل - وهم كلّهم لنا أئمة، وقد تعبَّدنا بالكفّ عما شجر بينهم)) [الجامع لأحكام القرآن، ج16، ص321].
ويقول الشيخ ابن عثيمين في "شرح الواسطية": ((فالواجب علينا تجاه هذه الأمور أن نسكت عما جرى بين الصحابة، وأن لا نطالع الأخبار والتاريخ في هذه الأمور)) [شرح الواسطية، ج2، ص286].
فلو تناول أيّ باحث من المسلمين – سنِّيًّا كان أو شيعيًّا - في دراسته حياة صحابيٍّ أثبتتِ الوثائق التاريخية جريمة قتله "مالكَ بن نويرة"، ونزوَ قاتله على زوجته، وانتهت دراستُه إلى أنّ هذا الصحابيَّ قاتلٌ وزانٍ، فحكمه - بناء على السلطة السلفية الكهنوتية - لا محالة يكون إما التكفير أو القتل؛ لأنه على وفق معاييرهم قد (سبَّ الصحابة)، والحال أنّ ما خرج به من نتائج كان على ضوء الوثائق التاريخية.
ولو أراد باحثٌ آخر أنْ يزجَّ في بحثه إحدى غزوات النبيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وسلّط الضوء على الفارّين من أرض المعركة والمحرِّضين على الفرار، وانتهت به هذه الدراسة إلى أنّ بعض الصحابة كانوا من المتخاذلين والفارّين والمحرِّضين على الفرار، فإنّ هذه النتيجة ستكون وبالًا على هذا الدارس، وستجري عليه أحكامٌ ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأنه متَّهم بـ (سبّ الصحابة) على وفق ضوابطهم الرعناء، والحال ـ كما ترى، ويرى كلّ منصِف ـ أنّ ما خرج به هذا الدارس من نتيجةٍ إنما هي من نتائج الأدلة القطعية التي تعضدها الوثائق التاريخية.
ولو أراد باحثٌ ثالث أنْ يسلِّط الأضواء في بحثه على وقعة الجمل مستندًا بذلك إلى الوثائق التاريخية أيضًا، وانتهى بحثه بنتيجةٍ مفادها: أنّ أمّ المؤمنين عائشة باغيةٌ؛ لخروجها على إمام زمانها، وآثمةٌ لسفكها دماء المسلمين، ومخالفةٌ لطاعة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنه لا محالة يُتّهم بـ (سبِّ الصحابة)، فيُحكم بكفره وقتله، ولا يخفى على المتتبِّع أن أغلب الأبحاث والدراسات الموضوعية تتّسم بطابع النقد والتحليل العلمي، إلا أن الكهنوت السلفي يرى ذلك طعنًا في الصحابة!
أ ليست هذه المسائل هي واحدة من أبرز مصاديق المنهج السلفيّ الكهنوتي المتمثلة بـ (لا تسأل! لا تفكِّر! لا تناقش! لا تحاور! لا تقرأ! لا تبحث!)، التي نسبت زورًا وبهتانًا إلى الشيعة الإمامية وحوزاتهم العلمية؟!
وها هو ابن بطة يفرض قيودًا على المجتمع الإسلامي، ويصادر حريّته الفكرية، فيقول: ((ولا تنظر في كتاب صفّين والجمل ووقعة الدار وسائر المنازعات التي جرت بينهم، ولا تكتبه لنفسك، ولا لغيرك، ولا تروِه عن أحد، ولا تقرأه على غيرك، ولا تسمَعه ممّن يرويه، فعلى ذلك اتفق سادات علماء هذه الأمة من النهي عمّا وصفناه، منهم: حماد بن زيد ويونس بن عبيد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الله بن إدريس ومالك بن أنس وابن أبي ذئب وابن المنكدر وابن المبارك وشعيب بن حرب وأبو إسحاق الفزاري ويوسف بن أسباط وأحمد بن حنبل وبشر بن الحارث وعبد الوهاب الوراق. كل هؤلاء قد رأوا: النهي عنها والنظر فيها والاستماع إليها، وحذروا من طلبها والاهتمام بجمعها)) [شرح لامية ابن تيمية، لعمر بن سعود، ج7، ص4].
وها هم علماء أهل السُّنة وسلفهم قد اتفقت كلمتهم على تحريم النظر والمطالعة في كثير من الكتب، حتى ألّف ابن قدامة المقدسي رسالةً بعنوان "تحريم النظر في كتب الكلام".
وننقل هنا بعضًا من نصوص العلماء في تحريم قراءة بعض الكتب التي تعدّ مصادرة لحرية الفرد والمجتمع من الناحية الفكرية والعقَدية، وتجسِّد لنا مقولة (لا تناقش! لا تحاور! لا تقرأ!):
جاء في "الموسوعة الفقهية": ((قال الحنابلة: ولا يجوز النظر في كتب أهل البدع، ولا في الكتب المشتملة على الحقّ والباطل، ولا روايتها؛ لما في ذلك من ضرر إفساد العقائد. وقال القليوبيّ: تحرم قراءة كتب الرقائق والمغازي)) [الموسوعة الفقهية، ج34، ص185].
وقد أفتى الشاطبي في "الإفادات والإنشادات"، قائلًا: ((إن العوامّ لا يحلّ لهم مطالعة كتاب أبي طالب المكي المسمى بـ (قوت القلوب) لما فيه من الشطحات)). [الإفادات والإنشادات، للشاطبي، ص44].
وقال محمد رشيد رضا: ((ينبغي منع التلامذة والعوامّ من قراءة هذه الكتب لئلا تشوِّش عليهم عقائدهم وأحكام دينهم، فيكونوا كالغراب الذي حاول أن يتعلَّم مشية الطاووس، فنسي مشيته، ولم يتعلّم مشية الحجَل)). [مجلة المنار، ج7، ص258].
إذًا، أيها السُّني، أيها السلفي، هذه الكتب محرَّمة عليك! لا تقرأ! ولا تفكر! ولا تناقش!
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
