
قال عباس القمي في (مفاتيح الجنان، حاشية، ص5) عن سورة الرحمن: "لَا تَدَعُوا قِرَاءَةَ سُورَةِ الرَّحْمَنِ وَالْقِيَامَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَقِرُّ فِي قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ (وَتَأْتِي بِهَا) يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَأَطْيَبِ رِيحٍ حَتَّى تَقِفَ مِنَ اللهِ مَوْقِفاً لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى اللهِ مِنْهَا...". إن من كتب تلك الأمور لم يستخدم عقلَه، وإلا لعرف أنه ليس لِـلَّهِ تعالى مكان يتحيز فيه، حتى يأتي إليه شيء، ويقترب منه، ويقف لديه!!
الجواب
بسمه تعالى
والحمد لله وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
إن الجمود على ما يفهم من ظاهر اللفظ، وعدم تجاوز حرفيّته، وعدم العناية بالقرائن العقلية والنقلية المعتبرة، بل ولا التدقيق في النواحي اللغوية والنحوية، هو نوع من الانحراف، بل يُعدّ أكبر خطأ، وإذا ما أردنا تطبيق هذا الفهم الساذج والمغلوط على بعض آيات القرآن الكريم التي تتحدّث عن قرب الله تعالى لخلقه، كقوله تعالى: ﵟفَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِﵞ [البقرة:186]، وقوله تعالى: ﵟوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْكمْ ولَكنْ لا تُبْصِرُونَﵞ [الواقعة:85]، وقوله: ﵟولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ ونَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ونَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِﵞ [ق:16]، سنخرج بنتيجة مفادها أنّ الله سبحانه متحيّز في مكان – كما يرى الكاتب ويرمي به غيره - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
فماذا يقول الكاتب عن قول الله عزوجل ﵟكَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَﵞ [المطففين:15]، فهل إن هذه الآية تصف الله سبحانه بمكانٍ يحل فيه، فيُحجب عنه فيه عباده، أو إن المقصود أنّهم عن ثواب ربّهم لمحجوبون؟!
وماذا يقول عن قوله تعالى: ﵟوَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّاﵞ [الفجر:22]، هل إن الآية تصف الله سبحانه بالمجيء والذهاب، أو إن المقصود "وجاء أمر ربك والملك صفاً صفاً"؟!.. وكذا غيرها من الآيات التي ترد إشكالًا على فهم الكاتب ومن نهِج نهْجه في الجمود على ما يفهم من ظاهر اللفظ.
والرواية التي ذكرها الكاتب - وفهم منها التحيز في مكان - وردت في كتاب وسائل الشيعة [ج٦، ص١٤٦]، ((عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تدَعوا قراءة سورة الرحمن والقيام بها؛ فإنها لا تقرّ في قلوب المنافقين (وتأتي بها) يوم القيامة في صورة آدمي في أحسن صورة وأطيب ريح حتى تقف من الله موقفًا لا يكون أحد أقرب إلى الله منها...)) ولم يكن المقصودُ بالقرب في قوله (عليه السلام): ((لا يكون أحد أقرب إلى الله منها...)) القربَ المادي المشتملَ على الجهة والمكان، بل المقصود منه الرفعة والعلوّ والشأن، وكثيراً ما يُستعار المحسوس للمعقول.
فالقرب في اللغة بمعنى الدنوّ [لسان العرب، مادة: قرب]، وهذا القرب تارةً يكون من مقولة المكان، وتارةً يلحظ فيه البعد الزماني، ولذلك يُقال: إنّ الشيء الفلاني (بلحاظ المكان) هو قريبٌ من الشيء المشخص الآخر، وإنّ المسافة بينهما تُقدَّر بكذا، أو يُقال: إنّ يوم أمس (بلحاظ الزمان) هو أقربُ إلى اليوم الذي يسبقه من يومنا الحالي. وهناك استعمالٌ شائعٌ آخر للفظ القرب حسب العرف العام، ومعناه هو كون الشخص مورد عنايةٍ واحترام، وله قيمةٌ ومنزلة لدى شخصٍ آخر، فيُقال: فلانٌ قريب من فلانٍ مثلاً "بالمنزلة والمكانة".
وغالباً ما تُستعمل كلمة القرب (والبُعد كذلك) في معناها المادي؛ إذ عندما نستعمل هذه الكلمة في الأجسام ينتقل ذهننا تلقائيًّا إلى المعنى المادي للكلمة، ولكنْ بما أنّه ثبت أنّ الاصطلاحات الخاصة بالماديات لا تستعمل في ما فوق المادة مطلقاً، أو تُستعمل بضربٍ من المجاز، فلا نقول مثلًا عن الله تعالى: إنّه حالٌّ في مكان معيّن، أو إنّ له جسماً ماديًّا وغير ذلك، فمن الطبيعي أنه لا يمكن تصوّر القرب والبُعد الماديين بالنسبة له جلّ شأنه، فهو تعالى ﵟلَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُﵞ [سورة الأنعام:103]، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ((الذي ليس لصفته حدٌّ محدودٌ ولا نعتٌ موجود، ولا وقتٌ معدود ولا أجل ممدود ...)) [نهج البلاغة، الخطبة:1]، وهو تعالى يحيط بالمكانِ والزمان، ولا يحويه مكانٌ ولا زمانٌ حتى يمكن أنْ يَتقرب الإنسان منه على فاصلٍ مكانيٍّ أو زماني خاص.
ونخلص من كلِّ ما تقدم أنّ استعمال كلمة القرب بالنسبة لله لا يمكن أن يُفهم منها معنى القرب الماديّ أبدًا، بل يُفهم منها القرب المعنوي قطعاً، فيتحصل من ذلك أنّ القرب من الله سبحانه لا يقصد منه إلا القرب المعنويّ والروحي.
إذن، فالقرب المذكور في الرواية ليس قربًا ماديًّا وجسمانيًّا حتى يلزم كون الله تعالى في مكان يتحيَّز فيه، وإنما هو قربٌ معنوي، ومثله قوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم:9]، فالدنوّ هو الاقتراب معنويًّا، وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: ((لمّا عُرج بي إلى السماء دنوت من ربي (عز وجل) حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى..)) [الأمالي، للشيخ الطوسي، ص352].
والحمد لله أوّلًا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين
