مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

الفرقة والتفرق في الإسلام صنيعة من؟

السائل ريا محمد النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 431 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ليس هناك تصنيف في الإسلام، فلا سنة ولا شيعة ولا غيرهم، لأنّ التصنيف في الإسلام ما هو إلا تفرقة. وقد شجب القرآن الكريم الفرقة في الدين، فقال تعالى: {أن الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، إذن ليس في الإسلام سنة وشيعة، فما ردكم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..

ما تراه الآن ويراه كل مسلم من التفرق إلى مذاهب وفرق في الإسلام، منشأه الذين خالفوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قبلنا، كما يشير إليه الإمام الغزالي بشكل واضح وصريح، حيث قال في "سر العالمين": ((لكن أسفرت الحجّة وجهها، وأجمع الجماهير على متن الحديث، من خطبته في يوم غدير خم، باتّفاق الجميع، وهو يقول: من كنت مولاه فعليٌّ مولاه. فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن، لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة. فهذا تسليم ورضى وتحكيم، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحب الرياسة، وحمل عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك ازدحام الخيول، وفتح الأمصار؛ سقاهم كأس الهوى، فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً)) [مجموعة رسائل الإمام الغزالي، كتاب سر العالمين: 483].

فالحجة قد تمت على المسلمين وبلغها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بتمامها إلى الناس لكن غلبة الهوى وحب الرئاسة قادهم إلى إنكار الحق فتفرقوا إلى شيعا وأحزابا، كلّ حزب بما لديهم فرحون، وهو المعنى الذي حذرهم من الوقوع فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل، كما يروي ذلك البخاري في صحيحه بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ((وإني والله ما أخاف بعدي أن تشركوا، ولكن أخاف أن تنافسوا فيها)) [صحيح البخاري، حديث رقم 428].

وقال المعصومي: ((لمَّا غيَّر المسلمون أوامر رب العالمين، جازاهم الله تعالى بتغيير النعمة عليهم، وسلب عنهم الدولة، وأزال عنهم الخلافة، كما تشهد به آيات كثيرة. فمِن جملة ما غيَّروا: التمذهب بالمذاهب الخاصة، والتعصّب لها ولو بالباطل، وهذا [بدعة] لا شك فيه ولا شبهة، وكل بدعة تُعتَقد دِيناً وثواباً فهي ضلالة)) [هدية السلطان، ص47].

وقال ابن حزم مستعيذا بالله ممن يتمذهب بمذهب معين: ((فليعلم مَن أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة أو جميع أقوال مالك، أو جميع أقوال الشافعي، أو جميع أقوال أحمد، ولم يترك من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة، غير صارف لذلك إلى قول إنسان بعينه، أنه خالف إجماع الأمة كلها، أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفاً ولا إنساناً في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة، نعوذ بالله من هذه المنزلة)) [الرد على من أخلد إلى الارض، ص132].

وعليه؛ فلا مناص للإنسان من البحث عن الحقيقة بين هذا الركام والتنازع، ولا تبرء ذمة الإنسان بالأخذ من المذاهب كيفما اتفق؛ لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال بشكل واضح وصريح: ((تَفتَرِقُ أمَّتِي إلى ثَلاثَةً وسَبعِينَ فِرْقةً، كلها في النار، والناجية منها واحدة)). وهو حديث صحيح متواتر عند الفريقين، نصَّ على تواتره في المصادر السنية السيوطي كما في "فيض القدير" [فيض القدير، ج2، ص27]، والكتانِي في "نظْم المتناثر من الحديث المتواتر" [ص47].

ونص على تواتره في المصادر الشيعية الحر العاملي في كتابه "الفصول المهمة" حيث قال بعد ذكره لرواية الكافي الواردة في هذا الجانب: ((والأحَادِيثُ في ذلِك كَثِيرةٌ مُتوَاتِرةٌ مِن طُرُقِ العامَّةِ والخاصَّةِ وقد تَقدَّمَ ما يَدلُّ على ذلِك)). [الفصول المهمة، ج1، ص448].

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة