
قد ورد في بعض طرق حديث الفرقة الناجية هذه العبارة: (ما أنا عليه وأصحابي) (كما في "أحكام القرآن" لابن العربي 3: 423: «افترقت اليهود والنصارى على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا واحدة. قيل: مَن هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي»)، فأهل السنّة والجماعة يتابعون ما عليه الصحابة، فهم الفرقة الناجية. الفِقرة الثانية من حديث الفرقة الناجية، وهي التي تقول: (وهي الجماعة) (كما في صحيح ابن ماجة ـ للألباني ـ الحديث رقم3242: إنّ بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإنّ أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلّها في النار إلّا واحدة، وهي الجماعة)، وواضح أن المراد بالفرقة الناجية هم أهل السُّنة والجماعة.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهرين..
جواب الإشكال الأول:
هذه الدعوى فيها مغالطة واضحة، فالعبارة تقول: (ما عليه أنا وأصحابي)، فهي تتحدث عن حالة الوفاق زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا عن حالة الاختلاف التي حصلت من بعده، ومن الطبيعي جدًّا أنّ ما كان عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه في زمانه هو هذه الأحاديث الحقّة الصادرة عنه، ونحن هنا جئنا نتلمس الحقّ والطريق إلى الفرقة الناجية من هذه الأحاديث الشريفة الصحيحة الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا من الأفعال والأقوال المتناقضة المختلفة التي وصلت إلى حد الاقتتال بين الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما هو المعلوم والمشهور عن واقعهم وأفعالهم!
فهناك العشرات من الأمور التي اختلف فيها الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ووصلوا في بعضها إلى حدّ الاقتتال بينهم، فمَن نتّبع؟ ومن نترك؟ وبأيّ دليل وحجة؟!
هذا من ناحية.
ومن ناحية ثانية: مَن هي الفرقة الناجية مِن أهل السُّنّة والجماعة؟!
هل هي فرقة الأشاعرة كما يقول الإيجي في "المواقف" [ينظر: المواقف، ص429]، والحال هي فرقة ضالة ومبتدعة عند السلفية، كما يصرّحون بذلك. [ينظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج3، ص210-211].
أو هي مطلق فِرَق أهل السنّة والجماعة، كما يقول المناوي في "فيض القدير"[ينظر: فيض القدير، ج2، ص20]، والحال أنّ هذه الفرق يضلّل بعضهم بعضًا، ويكفّر بعضهم بعضًا كما ينقل الخطيب البغدادي في تاريخه تضليل الإمام مالك لأبي حنيفة. [ينظر: تاريخ بغداد، ج15، ص552]، وكما يذكر الذهبي في "سير أعلام النبلاء" تكفير أبي حاتم لمن ليس حنبليًّا. [ينظر: سير أعلام النبلاء، ج17، ص625]، وكما ينقل الألباني في "معالم المنهج السلفي" تكفير الحنفية للشافعية [ينظر: معالم المنهج السلفي، ص36]، ويوجد غير هذا الكثير بينهم؟!
فالإشكال بهذه الفقرة لا محصّل علميّ له البتة!
جواب الإشكال الثاني: ليس المراد بهذه الفقرة أهل السُّنّة والجماعة جزمًا؛ لأنّ هذا الاسم ظهر متأخرًا عن الأحاديث النبوية بمدة طويلة، وإنّما المراد بالجماعة في هذا الحديث جماعة الحقّ وإن قلّوا.
قال الترمذي: ((وتفسير الجماعة عند أهل العلم: هم أهل الفقه والعلم والحديث)) [سنن الترمذي، باب ما جاء في لزوم الجماعة، الحديث 2093].
وقال الألباني: ((وهذا المعنى مأخوذ من ابن مسعود: الجماعة ما وافق الحقّ وإن كنت وحدك، رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (13 /322 /2)، بسند صحيح)) [حاشية مشكاة المصابيح، ج1، ص61].
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
