
هناك بعض الأشخاص يُبدون آراءهم، ويعترضون على مراجع الدين والفقهاء في بعض الأحكام الشرعية، وعندما نقول لهم: إن هذا الأمر مختصٌّ بالفقهاء والمجتهدين؛ لأنهم أهل اختصاص، فيقولون: إذا كان الاختصاص بالفقه متوقفًا على قراءة بعض الكتب الفقهية والأصولية فنحن قرأنا بعضها، وبإمكاننا أن نبيِّن خطأ الفقهاء والاعتراض عليهم!!
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
افترضْ أنّ شخصًا ما قام بزيارة إحدى المكتبات، واشترى كتابًا في مجال جراحة القلب، وبدأ في قراءته من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة، وقضى عدة شهور في دراسته، مما جعله يشعر بثقةٍ بمعرفته في هذا المجال، ويعتقد أنه أصبحتْ لديه القدرة على التعليق على ما يخالف ما قرأه. ثم اتخذ الخطوة الجريئة بالتوجُّه إلى أقرب مركزٍ طبيٍّ واقتحامِ قاعة عمليات جراحة القلب، حيث يقف وسط الجرّاحين الذين كانوا يقومون بعمليةٍ جراحيةٍ، ويبدأ بالتدخُّل بإلقاء التوجيهات عليهم والاعتراض على ما كانوا يقومون به..
إلى هنا نتوقَّف عن الاسترسال في الافتراض، ونبدي تساؤلاتنا حول تصرُّفات هذا الشخص، وما قد تعني من ناحية الأخلاق والمسؤولية، ونتساءل عن العواقب التي قد تنتج عن تصرفاته في الواقع، وبماذا يحكم العرف على مثل هذا الشخص؟ هل سيحكم عليه بالجهل أو بالجنون؟
من المؤكد أنْ يَحكم العُرف على تصرُّف هذا الشخص بالجهل والجنون معًا، حيث يظهر الجهل في اعتماده على معرفةٍ محدودةٍ مكتسبةٍ من كتابٍ واحد أو اثنين أو ثلاثة فقط، دون اكتساب خبرةٍ عملية أو تدريبٍ مِهْنيّ في مجال الجراحة.
ويظهر الجنون في تصرُّفه غير العُقلاني بالتدخل في عمليةٍ جراحية دون تأهيل أو توجيه من الأطباء المختصّين، مما يشكِّل خطرًا على سلامة المرضى، ويعرِّض حياتهم للخطر.
بنحو مماثل يمكننا أن نطبِّق هذا الافتراض على من يحاول التدخل بالاعتراض وإبداء الرأي في مجال الفقه وإصدار الأحكام الشرعية دون الخبرة الكافية؛ إذ مجرد قراءةٍ سطحيةٍ للكتب دون التعمُّق في الدراسة يعدّ مظهرًا من مظاهر الجهل.
وتجاوز الحدود في محاولة فرض الآراء الجاهلة ونشرها عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي دون احتراٍم للفقهاء المجتهدين المؤهلين يُعدّ ضربًا من الجنون العقلي.
والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
