
عرض الشيخ الوهابي فراج الصهيبي مقطعا على قناته في اليوتيوب للسيد كمال الحيدري يقول فيه: المهدي المنتظر من ولد الحسن في كتب الشيعة بروايات صحيحة السند كما جاء في رواية الكافي: ((وأشهد على الحسن بن علي بأنه القائم بأمر علي بن محمد وأشهد على رجل من ولد الحسن لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملاها عدلا كما ملئت جورا)) فلا يزاود أحد على أن رواية المهدي المنتظر رويت في كتب السنة فقط، فالرواية رويت أيضا بأسانيد صحيحة في كتب الشيعة. ممكن الرد وايضاح المسألة جزاكم الله كل خير.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى محمد وآله المطهرين..
اطلعنا على المقطع المشار إليه في السؤال، وظهر لنا أن السيد الحيدري قد قرأ على طلابه مقطعا من ذيل رواية طويلة صحيحة السند، وهو قول الخضر لأمير المؤمنين (عليه السلام): ((وأشهد على رجل من ولد الحسن لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملاها عدلا كما ملئت جورا)) فانتهى السيد الحيدري – كما هو ظاهر كلامه – إلى نتيجة مفادها أن الإمام المهدي (عليه السلام) من ولد الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، هو مما روي بأسانيد صحيحة في كتب الشيعة كما روي في كتب السنة.
ولنا أن نطلق على هذا الأسلوب الذي ينتهجه السيد الحيدري بـ (إعادة تدوير الشبهات) وإعادة التدوير مصطلح حديث نسبياً، ويعني مُعالجة الموادّ المُستهلكة وإعادة تشكيلها لاستخدامها في أغراض جديدة، فمن الإشكالات والشبهات التاريخية المستهلكة التي كان يتمسك بها أعداء أهل البيت، دعوى أن المهدي المنتظر من ولد الحسن لا من ولد الحسين، وقد رد علماء الشيعة آنذاك على هذه الشبهة بردود عديدة قوية الإفحام، وبينوا ضئالتها وضحالتها، وفندوها وهدوا أركانها، وألجموا المتشبثين بها بلجام الصمت المطبق، فجاء الحيدري ليعيد تشكيلها واستخدامها في ثوب جديد وصياغة أخرى وعلى روايات شيعية صحيحة السند، ومنها رواية الكافي.
فنقول قبل عرض رواية الكافي: صرحت جملة كبيرة من روايات الفريقين بانتساب الإمام المهدي إلى الإمام الحسين (عليهما السلام)، عدا رواية انفرد بها أبو داود في السنن تنسب الإمام المهدي إلى الإمام الحسن (عليهما السلام) وهي منقطعة الإسناد، وكذلك رواية واحدة لنعيم بن حماد نقلها في كتابه "الفتن" عن ضعاف الرواة والمجهولين.
وقد صرح كثير من علماء أهل السنة على مختلف مذاهبهم ومشرابهم بأن المهدي المنتظر من وُلد فاطمة، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الإمام الحسن العسكري، منهم سبط بن الجوزي في تذكرة الخواص، حيث قال: ((محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكنيته أبو عبد الله وأبو القاسم، وهو الخلف الحجة صاحب الزمان القائم والمنتظر والتالي، وهو آخر الأئمة. انبأنا عبد العزيز بن محمود بن البزاز عن ابن عمر قال: قال رسول الله (ص) يخرج في آخر الزمان رجل من وُلدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً فذلك هو المهدي)) [تذكرة الخواص، ص325].
وقال محيي الدين بن عربي في الفتوحات المكية: ((اعلموا أنه لابد من خروج المهدي لكن لا يخرج حتى تملأ الأرض جوراً وظلماً فيملأها قسطاً وعدلاً، وهو من عترة رسول الله (ص)، من وُلد فاطمة، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده الإمام الحسن العسكري، ابن الإمام علي النقي بالنون، ابن الإمام محمد التقي بالتاء، ابن الإمام علي الرضا، ابن الإمام موسى الكاظم، ابن الإمام جعفر الصادق، ابن الإمام محمد الباقر، ابن الإمام زين العابدين علي، ابن الإمام الحسين، ابن الإمام علي بن أبي طالب، يواطي اسمه اسم رسول الله (ص)، يبايعه المسلمون بين الركن والمقام .... الخ)) [نقلاً عن: مشارق الأنوار، ص 125؛ الجواهر واليواقيت، ج2، ص149؛ إسعاف الراغبين، المطبوع بهامش «نور الأبصار» للشبلنجي، ص 140].
وقال كمال الدين الشامي الشافعي: ((إن الرسول لما وصفه وذكر إسمه ونسبه، وجدنا تلك الصفات والعلامات موجودة في محمد بن الحسن العسكري وعلمنا أنه هو المهدي)) [مطالب السؤول، ص89].
وقال ابن الصباغ المالكي: ((ولد أبو القاسم محمد الحجة بن الحسن الخالص بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة 255 للهجرة، وأما نسبه أباً وأماً فهو أبو القاسم محمد الحجة بن الحسن الخالص بن علي الهادي ...)) [الفصول المهمة، ص274].
وقال العدوي الحمزاوي المالكي: ((قال سيدي عبد الوهاب الشعراني في اليواقيت والجواهر: المهدي من وُلد الإمام الحسن العسكري ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين)) [مشارق الأنوار، ص153].
وبعد الذي تقدم نجيب السائل عن استدلال الحيدري برواية الكافي التي ادعى أنها تنسب الإمام المهدي المنتظر إلى الإمام الحسن المجتبى (عليهما السلام)، وقبل ذلك نورد الرواية بتمامها ليتضح الجواب، فنقول:
روى الشيخ الكليني في الكافي في باب ما جاء في الاثني عشر والنص عليهم، (عليهم السلام)، فقال: ((عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ومعه الحسن بن علي عليه السلام وهو متكئ على يد سليمان فدخل المسجد الحرام فجلس إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلم على أمير المؤمنين، فرد عليه السلام فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما قضى عليهم وأن ليسوا بمأمونين في دنياهم وآخرتهم وإن تكن الأخرى علمت أنك وهم شرع سواء. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام سلني عما بدالك، قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟ فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن فقال : يا أبا محمد أجبه ، قال : فأجابه الحسن عليه السلام فقال الرجل أشهد أن لا إله إلا الله ولم أزل أشهد بها وأشهد أن محمدا رسول الله ولم أزل أشهد بذلك وأشهد أنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله والقائم بحجته - وأشار إلى أمير المؤمنين - ولم أزل أشهد بها وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته - وأشار إلى الحسن عليه السلام - وأشهد أن الحسين بن علي وصي أخيه والقائم بحجته بعده وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين بعده وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين وأشهد على جعفر بن محمد بأنه القائم بأمر محمد وأشهد على موسى أنه القائم بأمر جعفر بن محمد وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي ابن موسى وأشهد على علي بن محمد بأنه القائم بأمر محمد بن علي وأشهد على الحسن بن علي بأنه القائم بأمر علي بن محمد «وأشهد على رجل من ولد الحسن» لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر أمره فيملاها عدلا كما ملئت جورا والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، ثم قام فمضى ، فقال أمير المؤمنين : يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد فخرج الحسن بن علي عليهما السلام فقال : ما كان إلا أن وضع رجله خارجا من المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله ، فرجعت إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأعلمته ، فقال : يا أبا محمد أتعرفه ؟ قلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، قال: هو الخضر عليه السلام)) [الكافي، ج١، ص٥٧٣].
فقول الخضر (عليه السلام) «وأشهد على رجل من ولد الحسن» واضح جدا أن المقصود به الحسن العسكري (عليه السلام)، إذ لو كان المقصود هو الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) لذكره الخضر (عليه السلام) في محله بعد أن شهد له بالوصاية؛ لأنه من ولده على المدعى، إلا أنه بعد أن شهد بالوصاية للحسن عرّج على ذكر الشهادة بالوصاية للحسين، ثم تسلسل بذكر الشهادة لولد الحسين، فابتدأ بعلي بن الحسين ومَنْ بعده مِن الأئمة المعصومين حت أنتهى بالحسن بن علي العسكري فقال: «وأشهد على الحسن بن علي بأنه القائم بأمر علي بن محمد» ثم قال: «وأشهد على رجل من ولد الحسن» وواضح أنه يريد الحسن العسكري لا الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام)، وهذا مما لا يحتاج إلى تكلف بجلب الأدلة والبراهين في إثباته، وهو أمر واضح للعوام فضلا عن العلماء الأعلام، لكن ما يثير الدهشة والاستياء هو محاولة الحيدري لي عنق الحقيقة ليوافق ما يقول به من أفكار وعقائد، ومواقف مسبقة باتت واضحة لدى الجميع مجانبتها للحق والصواب، وكل من عرف الحيدري يستبعد غفلته وعدم أحاطته بمثل هذه الموارد العلمية، فلا يبقى إلا أن يقال أن السيد الحيدري لا يقرأ النص من أجل تنزيله على الواقع لبيان الحقائق للناس، وإنما هدفه قراءة كلماته بغية تعضيد ما يذهب إليه ويميل، بحجة أن فكره النقدي ينطلق من أسس علمية ومنطقية، والله العالم مآ في الأنفس ومآ تخفي الصدور.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
