
أخبرنا القرآن الكريم أن يأجوج ومأجوج قومٌ أفسدوا في الأرض، فقام ذو القرنين ـ ذلك الرجل الصالح ـ ببناء ردمٍ يحجزهم عن الناس كما في قول الله: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}. والسؤال هنا: من أي نسل هم؟ وهل يُعقل أن يبقى قومٌ كاملون محبوسين تحت الأرض ويبقون على قيد الحياة؟ ثم ماذا نصنع مع الروايات التي تذكر أنّ الواحد منهم يعيش حتى يرى ألفًا من أحفاده؟ وأنا ـ بصراحة ـ أستبعد بقاء يأجوج ومأجوج أحياء إلى يومنا هذا، بل أُنكر ذلك جملةً وتفصيلًا.
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ الكلام في يأجوج ومأجوج إنما يُبتنى على ما دلّ عليه الكتاب العزيز، ثم ما ثبت من الأخبار المعتبرة، وما عدا ذلك فليس بحجّة.
القرآن لم يذكر من أمرهم سوى أنهم قوم من البشر بلغ فسادهم مبلغًا حمل الأقوام المجاورة لهم على الاستغاثة بذي القرنين، فاستجاب لهم وبنى السدّ حاجزًا يمنع اقتحامهم للبلاد، ولم يبيّن نسبهم ولا انتماءهم القبلي، الأمر الذي يظهر منه أنّ البحث عن أصلٍ خاصّ لهم لا مدخلية له في فهم الآيات، وأنّهم أمم كسائر الأمم التي كانت تعيش في أطراف شمال آسيا كما استفيد من مجموع الروايات المأثورة، وقد نقل السيد الطباطبائي (قدّس سره) في الميزان أنّ الأخبار تُشير إلى كونهم أمة أو أمم عظيمة كانت تقطن في أقاصي شمال آسيا، وأنهم كانوا أمماً حربية معروفة بالمغازي والغارات، وقد بنى ذو القرنين السد ليحول بينهم وبين الناس المجاورين لهم، حتى لا يغيروا عليهم.
وأمّا السدّ الذي نصّ عليه القرآن، فهو حاجز بُني لصدّ أذاهم ومنع وصولهم إلى البلاد، ولا يستفاد من الآيات ولا من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أنّهم حُبسوا تحت الأرض أو دُفنوا في باطنها، بل غاية ما هنالك أنّ ذا القرنين أقام بينهم وبين الناس ردمًا يردّ عدوانهم ولا يلغي وجودهم.
ومن هنا يظهر أنّ الفرضية القائلة ببقاء أمة كاملة مسجونة في جوف الأرض قرونًا طويلة، مع انعدام أسباب الحياة من الهواء والماء وسائر شروط المعاش، لا دليل عليها من الكتاب ولا يقبلها العقل، ولا تساندها السنن الإلهية الجارية في حياة الإنسان.
وأمّا ما ذُكر في بعض كتب القصص من أنّ الرجل الواحد من يأجوج ومأجوج يرى ألفًا من أحفاده، أو يعيش أعمارًا طويلة خارجة عن المتعارف، فليس له أصل يعتمد عليه، وقد عدّه أهل التحقيق من الأخبار الدخيلة التي جاءت من الإسرائيليات.
والذي يظهر من مجموع النصوص أنّهم جماعات من البشر اشتهروا بالفساد والطغيان، فحجبهم ذو القرنين عن الناس بذلك السدّ، وأنّ اجتماعهم وخروجهم الواسع يكون في آخر الزمان، كما أشارت إليه الآية الكريمة: ﵟحَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَﵞ [الأنبياء:96]. ومعنى الفتح في لسان القرآن هو ارتفاع الحاجز وزوال المانع، لا خروج قوم من تحت الأرض ولا ظهور خلقٍ خفيّ لا دليل عليه.
وعليه، فلا يُستفاد من ظاهر الآيات، ولا من الروايات المعتبرة، ما يدلّ على بقاء يأجوج ومأجوج خلف السدّ على نحو الجمود منذ القرون الأولى، ولا أنّ حياتهم تجري على خلاف السنن الجارية في البشر، والثابت في الجملة أنّهم أمم واقعية حُجزت عن الناس زمناً، وأنّ لهم خروجًا في آخر الزمان أشار إليه القرآن، وأمّا تفصيل ذلك فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه.
وأمّا ما تتناقله بعضُ كتب القصص من بقائهم في باطن الأرض، أو عيشهم على أحوالٍ لا يُعرف لها مأخذ، فليس بشيءٍ تقوم به حجّة، ولا تساعد عليه ظواهر النصوص، والوجهُ طرحُه وعدمُ الالتفات إليه.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
