مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

حقيقة يأجوج ومأجوج

السائل عارف البطاط النشر القراءة 3 دقيقة المشاهدات 47 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

أخبرنا القرآن الكريم أن يأجوج ومأجوج قومٌ أفسدوا في الأرض، فقام ذو القرنين ـ ‏ذلك الرجل الصالح ـ ببناء ردمٍ يحجزهم عن الناس كما في قول الله: {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ ‏يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}. ‏والسؤال هنا: من أي نسل هم؟ وهل يُعقل أن يبقى قومٌ كاملون محبوسين تحت الأرض ويبقون ‏على قيد الحياة؟ ثم ماذا نصنع مع الروايات التي تذكر أنّ الواحد منهم يعيش حتى يرى ألفًا من ‏أحفاده؟ وأنا ـ بصراحة ـ أستبعد بقاء يأجوج ومأجوج أحياء إلى يومنا هذا، بل أُنكر ذلك جملةً وتفصيلًا.‏

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، ‏وهُداة الأنام.‏

إنّ الكلام في يأجوج ومأجوج إنما يُبتنى على ما دلّ عليه الكتاب العزيز، ثم ما ثبت من الأخبار ‏المعتبرة، وما عدا ذلك فليس بحجّة. ‏

القرآن لم يذكر من أمرهم سوى أنهم قوم من البشر بلغ فسادهم مبلغًا حمل الأقوام المجاورة لهم ‏على الاستغاثة بذي القرنين، فاستجاب لهم وبنى السدّ حاجزًا يمنع اقتحامهم للبلاد، ولم يبيّن ‏نسبهم ولا انتماءهم القبلي، الأمر الذي يظهر منه أنّ البحث عن أصلٍ خاصّ لهم لا مدخلية له ‏في فهم الآيات، وأنّهم أمم كسائر الأمم التي كانت تعيش في أطراف شمال آسيا كما استفيد من ‏مجموع الروايات المأثورة، وقد نقل السيد الطباطبائي (قدّس سره) في الميزان أنّ الأخبار تُشير ‏إلى كونهم أمة أو أمم عظيمة كانت تقطن في أقاصي شمال آسيا، وأنهم كانوا أمماً ‏حربية ‏معروفة بالمغازي والغارات، وقد بنى ذو القرنين السد ليحول بينهم وبين ‏الناس ‏المجاورين لهم، حتى لا يغيروا عليهم.‏

وأمّا السدّ الذي نصّ عليه القرآن، فهو حاجز بُني لصدّ أذاهم ومنع وصولهم إلى البلاد، ولا ‏يستفاد من الآيات ولا من أخبار أهل البيت (عليهم السلام) أنّهم حُبسوا تحت الأرض أو دُفنوا ‏في باطنها، بل غاية ما هنالك أنّ ذا القرنين أقام بينهم وبين الناس ردمًا يردّ عدوانهم ولا يلغي ‏وجودهم.

ومن هنا يظهر أنّ الفرضية القائلة ببقاء أمة كاملة مسجونة في جوف الأرض قرونًا طويلة، مع ‏انعدام أسباب الحياة من الهواء والماء وسائر شروط المعاش، لا دليل عليها من الكتاب ولا يقبلها ‏العقل، ولا تساندها السنن الإلهية الجارية في حياة الإنسان.‏

وأمّا ما ذُكر في بعض كتب القصص من أنّ الرجل الواحد من يأجوج ومأجوج يرى ألفًا من ‏أحفاده، أو يعيش أعمارًا طويلة خارجة عن المتعارف، فليس له أصل يعتمد عليه، وقد عدّه أهل ‏التحقيق من الأخبار الدخيلة التي جاءت من الإسرائيليات.‏

والذي يظهر من مجموع النصوص أنّهم جماعات من البشر اشتهروا بالفساد والطغيان، فحجبهم ‏ذو القرنين عن الناس بذلك السدّ، وأنّ اجتماعهم وخروجهم الواسع يكون في آخر الزمان، كما ‏أشارت إليه الآية الكريمة: ﵟحَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَﵞ ‏‏[الأنبياء:96]. ومعنى الفتح في لسان القرآن هو ارتفاع الحاجز وزوال المانع، لا خروج قوم من ‏تحت الأرض ولا ظهور خلقٍ خفيّ لا دليل عليه.‏

وعليه، فلا يُستفاد من ظاهر الآيات، ولا من الروايات المعتبرة، ما يدلّ على بقاء يأجوج ‏ومأجوج خلف السدّ على نحو الجمود منذ القرون الأولى، ولا أنّ حياتهم تجري على خلاف ‏السنن الجارية في البشر، والثابت في الجملة أنّهم أمم واقعية حُجزت عن الناس زمناً، وأنّ لهم ‏خروجًا في آخر الزمان أشار إليه القرآن، وأمّا تفصيل ذلك فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه.‏

وأمّا ما تتناقله بعضُ كتب القصص من بقائهم في باطن الأرض، أو عيشهم على أحوالٍ لا ‏يُعرف لها مأخذ، فليس بشيءٍ تقوم به حجّة، ولا تساعد عليه ظواهر النصوص، والوجهُ طرحُه ‏وعدمُ الالتفات إليه.‏

والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ‏المعصومين المنتجَبين.‏

مسائل ذات صلة