مركز الدليل العقائدي مركز علمي بحثي متخصص

هل ينافي دعاءُ عرفة الاستدلالَ على الله سبحانه بآثاره؟

السائل طالب علم النشر القراءة 6 دقيقة المشاهدات 7 المصحّح اللغوي تحسين البلداوي
بطاقة المسألة كما نشرها مركز الدليل العقائدي
السؤال

ورد في دعاء عرفة عبارةُ: ((متى غبتَ حتى تحتاجَ إلى دليل يدل عليك؟)). وورد في بعض الأدعية والخُطَب لأهل البيت (عليهم السلام) عبارة: ((يا ظاهرًا في بطونهِ، ويا باطنًا في ظهورهِ)). إن ظاهر هذه العبارات يُنافي الواقع من جهة أنّ الله سبحانه قد دلتْ عليه بعض المخلوقات من أنبياء ورسل وغيرهم. ومن جهة أنّ الله سبحانه غائب، فكيف يكون ظاهرًا؟ وإنْ كان ظاهرًا فكيف يكون باطنًا؟ وما معنى البطون في هذه الموارد؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد أنْ نقف على بعض ألفاظه؛ لأن مورده عبارات ذات معانٍ دقيقة في التوحيد، ثم حُملتْ خطأً على معنًى حسّي لا يليق بالله تعالى.

فإذا سُمعتِ العبارة الواردة في دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) يوم عرفة: ((متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك)) [إقبال الأعمال، للسيد ابن طاووس، ص349]، قد يتخيل بعضهم أنّ المراد نفيُ الحاجة إلى كل دليلٍ يدل على الله سبحانه، مع أنّ القرآن الكريم دعا إلى التدبر في السماوات والأرض والآفاق والأنفس، فقال تبارك وتعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت:53].

وإذا سُمِعت العبارة الواردة عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه في ليلة القدر: ((يا ظاهرًا في بطونه، ويا باطنًا في ظهوره)) [الصحيفة السجادية، ص267]، قد يتخيَّل بعضُهم أنّ المراد بالظهور والبطون هو ما يكون في الأجسام من الظهور والغياب، كما يظهر الإنسان للعين، ثم يغيب عنها. وهذا هو موضع الخطإ في هذا الفهم.

إذن، لا بد أولًا من بيان المراد من قول السائل: (إنّ الله غائب). فإنْ أريد أنه لا يُرى بالبصر، ولا يقع تحت الحسّ، فهذا صحيح، ولكنّ هذا لا يسمى غيابًا يستلزم الجهل به أو انتفاء الدلالة عليه.

وإنْ أريد أنّ العلم به من جهة آثاره ممتنعٌ، وأنّ حكم العقل بوجوده ممتنع، وأنّ الدلالة عليه ممتنعة، فهذا باطل؛ لأنّ كل موجودٍ محتاجٍ يدلّ بحاجته نفسها على أنّه ليس قائمًا بنفسه، وأن له خالقًا عالمًا قادرًا مدبِّرًا.

ولا بد ثانيًا من بيان المراد بالظهور. فإنْ أُريد به الظهور الحسيّ، فهذا ممتنع في حق الله؛ لأنّ الله سبحانه ليس جسمًا ولا صورةً ولا جهة. وإنْ أُريد الظهور من جهة الدلالة والآثار الدالة على العلم والقدرة، فهو ظاهرٌ بهذا المعنى.

وأما البطون، فإنْ أُريد به امتناع العلم به مطلقًا، فهذا باطلٌ قطعًا. وإنْ أُريد أنّ ذاته لا تدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول، فهذا حقٌّ لا مراء فيه.

وبعد ذلك يتضح أنّ الإشكال ليس واردًا على كلام الدعاء، بل على الفهم الذي حمل ألفاظ الدعاء على معنًى غير مراد.

فقول الإمام (عليه السلام): ((متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليلٍ يدل عليك))، ليس معناه نفي الدلالة على الله سبحانه، وإنما معناه نفي أنْ يكون الله عزّ وجل كالغائب الذي لا يُعرف إلّا بواسطة أمر خارج عن دلالته.

فليستْ دلالة الأشياء عليه - جلّ شأنه - من جهة أنها تكشف خفاء ذاته؛ بل لأنها فقيرة إليه، قائمة بأمره، محتاجةٌ إليه في أصل وجودها؛ ولهذا ورد في الدعاء نفسه: ((كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقرٌ إليك؟ أ يكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك؟))، أي: ليس المخلوق أظهرَ من الخالق حتى يكون هو الذي يكشف عنه، وإنما صار دليلًا؛ لأنه مخلوق له سبحانه، ومفتقرٌ إليه، قائم بأمره. فدلالة المخلوق على الله سبحانه هي دلالة فقيرٍ على غنيٍّ، ومحتاجٍ على مَن أوجده.

ولهذا لا تنافيَ بين كلام الإمام (عليه السلام) وبين قوله تعالى: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [إبراهيم:10]، ولا بينه وبين الآيات الآمرة بالتأمُّل في الآفاق والأنفس، كقوله تبارك وتعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:20-21]، وقوله: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} ‏[فصلت:53]‏. فهذه الآيات تُثبِت بوضوحٍ أنّ المخلوقات آياتٌ دالّة عليه، والدعاء يبيِّن أنّ هذه الآيات ليستْ أظهر من الله سبحانه بنفسها، بل هي مفتقرةٌ إليه، وبفقرها إليه تدل عليه.

وأما قوله (عليه السلام): ((يا ظاهرًا في بطونه، ويا باطنًا في ظهوره))، فلا يُتوهَّم أنّ معناه: أنّ الله سبحانه ظاهر كظهور الأجسام، ولا أنه باطنٌ كبُطون الشيء المستور في مكان. وإنما معناه أنه سبحانه ظاهر من جهة الدلالة عليه، باطن من جهة الذات. فهو ظاهرٌ؛ لأن آثار قدرته وعلمه وتدبيره ظاهرةٌ في كل شيء. فكل موجودٍ محدودٌ، وكل حادث محتاج، وما في الخلق من نظامٍ يدل على أنّ له خالقًا عالمًا قادرًا مدبِّرًا. وهنا ليس معنى ظهور الله عزّ وجل أنّ العين تراه، وإنما معناه أنّ الدلالة عليه قائمةٌ في الأشياء، وأنّ العقل لا يجد مبرِّرًا لإنكار الخالق.

وهو باطنٌ؛ لأن ذاته المقدَّسة لا تقع تحت الحسِّ، ولا تحيط بها العقول إدراكًا، ولا تحدّها حدود المخلوقات. فليس بطونه بمعنى الغَيبة المطلقة أو الجهالة من كل جهة، بل بمعنى أنه منزَّهٌ عن أنْ يُدرك كما تُدرَك الأجسام والصور، أو يُحدّ كما تُحدّ المخلوقات.

ومن هنا جاء في الدعاء نفسه قوله (عليه السلام): ((يا باطنًا ليس يخفى، يا ظاهرًا ليس يُرى)). وهذه الفقرة من الدعاء - التي جاءت مباشرة بعد الفقرة الأولى محلّ الكلام - ترفع الإشكال من أصله؛ فإنه باطن، لا بمعنى الخفاء المطلق، وظاهرٌ، لا بمعنى الرؤية بالبصر. فهو لا يخفى على العقول من جهة دلالة خلقِه عليه، ولا يُرى بالأبصار؛ لأنه ليس جسمًا ولا صورة.

وقد جمع القرآن الكريم هذين الوصفين في قوله سبحانه: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3]. فلو كان الجمع بين الظاهر والباطن تناقضًا، لما ورد في القرآن الكريم. وإنما التناقض يتخيَّله من يجعل الظهور والبطون بمعنًى واحدٍ ومن جهةٍ واحدة. أما إذا كان الظهور من جهة الدلالة، والبطون من جهة الذات، فلا تنافيَ أصلًا.

وهذا المعنى قريب إلى الفطرة. فإنّ وجود العقل يُعرف من آثاره، إذ لا يُرى بالعين. وتُعرف حياة الإنسان من آثارها؛ إذ لا تُرى الحياة بالبصر. وتُعرف قدرة الكاتب من كتابته وآثار صنعه؛ إذ لا تُرى القدرة بالعين. فإذا كان هذا مقبولًا في بعض شؤون المخلوق، فلا وجه لاستغراب ذلك في حق الخالق جلّ وعلا، وهو أنْ يكون ظاهرًا بآياته، باطنًا عن الحسّ.

وعليه، فقول الإمام الحسين (عليه السلام): ((متى غبتَ)) ليس معناه أنّ الله حاضرٌ كحضور الأجسام، وإنما معناه أنّ دلالة العقل والفطرة عليه لا تنقطع، ولا يخلو شيءٌ من أنْ يكون دالًّا عليه. وأما قوله ‏(عليه السلام)‏: ((حتى تحتاج إلى دليلٍ يدل عليك))، فهذا ليس نفيًا للدليل، وإنما هو نفيٌ لأنْ يكون الدليل أظهر من المدلول عليه وأغنى منه، حتى يقال: إنّ معرفة الله سبحانه تتوقف على شيءٍ مستقلٍّ عنه.

وكذلك قول الإمام زين العابدين (عليه السلام): ((يا ظاهرًا في بطونه، ويا باطنًا في ظهوره))، فإنّ معناه أنّ ظهور الله سبحانه ليس ظهورًا حسيًّا، وبُطُونه ليس بمعنى العدم والغيبة. فهو ظاهرٌ؛ لأنّ كل شيء يدل عليه، وباطن؛ لأن ذاته لا تحاط بها، ولا تُحد، ولا تُرى بالأبصار.

ويتحصّل من جميع ما تقدم أنّ الإشكال ناشئٌ من حمل ألفاظ الدعاء على ما يختص بالأجسام. فإذا فُهِمت العبارات على وفق بيان الكتاب والعترة المطهرة، ظهر أنها من أدقِّ عبارات التوحيد؛ لأنها تُثبِت أمرين معًا:

الأول: أنّ الله سبحانه أوضح من أنْ ينكر من جهة دلالة آثاره عليه.

الثاني: أنه سبحانه أجلّ من أنْ يدرك بالحسِّ أو تحيط العقول بذاته.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

مسائل ذات صلة