
لا نجد في القرآن الكريم ما يشير إلى الذكاء الاصطناعي، ولا نقرأ فيه ذكرًا للحاسوب أو الخوارزميات، فكيف يقال إن الكتاب يتسع لهذه المخترعات؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.
إنّ القرآن كتابُ هدايةٍ وتشريع، لا كتابُ مخترعاتٍ وصناعات، ومن ثَمّ فلا يُنتظَر منه أن يذكر الأسماء الحادثة بعد نزوله، وإنما الغرض أن يضع الأصول الكلّية والقواعد العامّة التي تمتدّ مع الإنسان في جميع أطواره، فيجد فيها الهداية لمستجدّاته. فالذكاء الاصطناعي وأشباهه إنما يدخل تحت عموماتٍ قرآنيةٍ واضحة.
فمن تلك العمومات قوله سبحانه: ﵟوَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُﵞ [الجاثية:13]، فهي آيةٌ جامعة لكلّ ما يُستخرج من أسرار الطبيعة ويُسخَّر للإنسان نفعًا أو ضررًا، والذكاء الاصطناعي ليس إلا وجهًا من وجوه هذا التسخير.
وكذلك قوله سبحانه: ﵟوَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَﵞ [النحل:8]، إذ يشير إلى ما يستجدّ من مخلوقات الله تبارك وتعالى التي لم يكن للبشر علمٌ بها، فإذا تكشّفت لهم مع الزمن رأوا فيها قدرة الله عزّ وجلّ وسُننه.
ولئن اغترّ بعضُ الناس بقدرة هذه التقنيات، فإنّ القرآن يضع حدًّا واضحًا يردّ الغرور بقوله: ﵟوَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًاﵞ [الإسراء:85]، فهي تذكرةٌ بأنّ العلم البشري ـ مهما تقدّم ـ يظلّ محدودًا، وأنّ الذكاء الاصطناعي إن هو إلا مرآةٌ أخرى لهذا القصور أمام العلم الإلهي المحيط.
ثم إنّ ما نشاهده اليوم من دقّة تسجيل الأعمال في الأنظمة الإلكترونية يقرّب الأذهان من مشهد أعظم ذكره القرآن الكريم، إذ قال: ﵟوَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًاﵞ [الكهف:49]، حيث يواجه المرء في الآخرة سجلًّا كاملًا لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها. فإذا كان الإنسان قد بلغ أن يضع برامج تُحصي وتدوّن، فما بالُنا بكتابٍ وضعه ربّ العالمين، وهو أحكم الحاسبين.
والخلاصة، أنّ القرآن لم يشر إلى الذكاء الاصطناعي بالاسم المصطلح عليه اليوم، ولكنه أشار إلى سننٍ وقوانينَ تشمل كلّ العصور، وتجعل هذه الابتكارات داخلةً في إطار الهداية القرآنية، لا خارجةً عنها.
والحمد لله أوّلا وآخراً، وصلّى الله وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.
